إن العلاقة بين الصين والهند مشحونة، فهي تتسم بالنزاعات الملتهبة، وانعدام الثقة الشديد، والتناقض بشأن التعاون السياسي. وحتى التجارة الثنائية المزدهرة، بعيداً عن المساعدة على طي الصفحة على الخلافات القديمة، كانت مصحوبة بحوادث حدودية متزايدة، وتوترات عسكرية، ومنافسة جيوسياسية، فضلاً عن الخلافات حول القضايا المتصلة بالأنهار والبحار.
منذ توليه منصبه في العام الماضي، كان رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي يسعى إلى تحويل العلاقة بين بلاده والصين، زاعماً أن آفاق آسيا تتوقف إلى حد كبير على ما قد يتمكن البلدان ــ اللذان يمثلان ثلث سكان العالم ــ من «تحقيقه على المستوى الفردي» وما يمكنهما القيام به «معا». ولكن كما أبرزت جولة مودي التي اختتمها للتو في الصين فإن القضايا التي تفرق بين العملاقين الديموغرافيين لا تزال جسيمة ومروعة.
لا شك أن قادة الصين احتفوا بمودي وكرموه بشك راقٍ. فعندما وصل مودي إلى مدينة شيان ــ واحدة من العواصم الأربع القديمة ومسقط رأس الرئيس شي جين بينج ــ اصطحبه شي في جولة شخصية في معبد الأوز البري الكبير. (بعد ذلك تباهى مودي بصداقته الوثيقة «زائد واحد» مع شي). وفي بكين، وقف رئيس مجلس الدولة لي كه تشيانج لالتقاط صورة «سيلفي» مع مودي خارج معبد السماء..
وما لم يفعله قادة الصين هو تحقيق أي تقدم في ما يتصل بأي قضية حقيقية ــ وليس بسبب نقص الجهود من جانب مودي. فعلى الرغم من توجه مودي الواقعي التصالحي، فإن مطالبته الصين بإعادة النظر في نهجها في التعامل مع بعض القضايا التي تحول دون تمكين الشراكة من تحقيق «كامل إمكاناتها» ذهبت أدراج الرياح.
الواقع أن السبب وراء استمرار الغموض هو أنه في عام 2002، وبعد مرور أكثر من عشرين عاماً من المفاوضات، تراجعت الصين عن وعدها بتبادل الخرائط مع الهند والتي تغطي القطاعين الرئيسيين المتنازع عليهما ــ ولاية أرونشال براديش التي تعادل مساحة النمسا، وولاية أكساي تشين التي تعادل مساحة سويسرا، فضلاً عن المناطق المجاورة ــ وكل منهما تقع على أحد طرفي الهيملايا.
وبعد أربع سنوات، أحيت الصين مطالبتها التي ظلت ساكنة لفترة طويلة بالسيادة على ولاية أرونشال براديش، ومنذ ذلك الوقت اخترقت حدودها عدة مرات. وقد استشاطت غضباً ضد الزيارة التي قام بها مودي إلى أرونشال براديش في فبراير.
ومع ذلك، أعلن مودي في حماسته لبناء العلاقات الثنائية أن السياح الصينيين يحق لهم الآن الحصول على تأشيرات إلكترونية لدى وصولهم إلى الهند ــ في مفاجأة قوية لوزير خارجيته، الذي كان قد صرح لوسائل الإعلام للتو بأن أحداً لم يتخذ مثل هذا القرار.
وأشاد وزير الخارجية الصيني بهذا الإجراء باعتباره «هدية» ــ وهو وصف دقيق، لأن الصين لم تقدم أي شيء في المقابل. بل على العكس من ذلك، حاولت الصين تقويض سيادة الهند، بإصدار تأشيرات للمقيمين في أرونشال براديش.
وعلاوة على ذلك رفضت الصين ــ التي أصبحت القوة المائية المهيمنة في المنطقة بعد ضم التبت الغنية بالمياه ــ إبرام اتفاق يقضي ببيع بيانات هيدرولوجية عن الأنهار العابرة للحدود على مدار السنة، وأثناء موسم الرياح الموسمية فقط، للهند. أي أن الصين لا ترفض إنشاء اتفاق لتقاسم المياه مع أي من جيرانها فحسب؛ بل إنها لن تتقاسم حتى البيانات الشاملة عن تدفقات أنهار المنبع.
وما يزيد الطين بلة أن جواً واضحاً من التعالي يحيط بالتصريحات الواردة في البيان المشترك الصادر في نهاية زيارة مودي بأن الصين «أحيطت علماً بتطلعات الهند» للانضمام إلى مجموعة الموردين النوويين، وأنها «تتفهم وتدعم تطلع الهند إلى الاضطلاع بدور أكبر في الأمم المتحدة، بما في ذلك في مجلس الأمن». والصين هي القوة الكبرى الوحيدة التي لم تدعم محاولة الهند للحصول على عضوية مجلس الأمن الدائمة.
وكانت النتائج الاقتصادية غير متكافئة على نحو مماثل. فالعديد من الصفقات التي أبرمها مودي مع كبار رجال الأعمال في شنغهاي ــ والتي يفترض أن قيمتها تبلغ 22 مليار دولار أميركي ــ تُلزِم البنوك الصينية المملوكة للدولة التي تمول شركات هندية بشراء معدات صينية.
وهذا من شأنه أن يؤدي إلى تفاقم العجز التجاري الهائل بالفعل بين الهند والصين، في حين لا يفعل إلا أقل القليل لتعزيز الاستثمارات الصينية الهزيلة في الهند، والتي لا يتجاوز مجموعها 1% من الفائض التجاري الثنائي السنوي لدى الصين ــ وهو الفائض الذي تضخم بمقدار الثلث منذ تولى مودي المنصب والذي يقترب الآن من 50 مليار دولار.
الواقع أن العلاقات التجارية بين الصين والهند شديدة الاختلال. فالصادرات الصينية إلى الهند تعادل خمسة أضعاف وارداتها من الهند. وعلاوة على ذلك، تشتري الصين في الأساس المواد الخام من الهند، في حين تبيعها السلع ذات القيمة المضافة في الأغلب.
ومع بذل الهند لأقل قدر من الجهد لوقف سيل السلع الصينية الرخيصة التي تغرق سوقها ــ برغم حملة مودي «اصنعوا في الهند» التي حظيت بقدر كبير من الدعاية والترويج ــ فإن وضع الصين باعتبارها المصدر الأكبر لواردات الهند يبدو آمنا.
بقدر ما يحاول مودي إضفاء طابع إيجابي على زيارته الأخيرة إلى الصين، بتسليط الضوء على 24 اتفاقية رمزية غالباً تم إبرامها، فإنه لا يستطيع أن يحجب الحقائق الاستراتيجية القاسية التي تؤثر على العلاقات الثنائية. وفي غياب نهج جديد، فيبدو أن العلاقات الصينية الهندية محكوم عليها بأن تظل غير متكافئة ومثيرة للجدل إلى حد كبير.
* أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسة في نيودلهي
