يبدو أن الاقتصاد الألماني غير قابل للإيقاف. فمن المتوقع أن ينمو الناتج بما يزيد على ٪2 هذا العام، والأجور بنحو ٪3، ومن المتوقع أن يرتفع فائض الحساب الجاري إلى ٪8.4 من الناتج المحلي الإجمالي. وعلى مدى العقد الماضي انخفضت البطالة إلى النصف، وهي الآن عند أدنى مستوياتها. ويظل المصدرون الألمان مبدعين وقادرين على المنافسة بشدة. كما تسجل الحكومة فائضاً كبيراً في الميزانية. وفي حين تظل بقية أوروبا غارقة في الأزمة والشكوك الذاتية، يبدو مستقبل ألمانيا مشرقاً وآمناً، ولكن المظاهر قد تكون خادعة.

في اتفاق التحالف بين الاتحاد الديمقراطي المسيحي والديمقراطيين الاجتماعيين في عام 2013، حدد الحزبان هدف زيادة الاستثمار العام والخاص بنسبة 3% من الناتج المحلي الإجمالي، أو نحو 90 مليار يورو (100.8 مليار دولار أميركي) سنوياً، لكي يصل إلى المتوسط في بلدان منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية. ورغم أن هذا ليس هدفاً طموحاً بشكل خاص ــ ذلك أن فائض الحساب التجاري لدى ألمانيا بلغ في ذلك الوقت 7.8% من الناتج المحلي الإجمالي ــ فإن تحقيقه يشكل أهمية بالغة حتى يتسنى للبلاد أن تستمر على ازدهارها.

في أغسطس الماضي، عينت الحكومة الألمانية لجنة من الخبراء مكونة من 21 عضوا (بما في ذلك الكتاب الثلاثة لهذا المقال) من الشركات والنقابات العمالية وقطاع التمويل والأوساط الأكاديمية لتحديد كيفية تحقيق الهدف. وفي الشهر الماضي، قدمت اللجنة خطة عمل من عشر نقاط، والتي برغم الخلاف على الضرائب والتمويل الخاص للاستثمار العام تعكس إجماعاً واسعاً إلى حد غير عادي.

فبادئ ذي بدء، تدعو خطة العمل إلى الحد من تأثير الضغوط المطالبة بضبط أوضاع الميزانية الحكومية على الاستثمار العام. ولا تعترض الخطة على مكبح الديون الدستوري الذي يمنع الحكومة الاتحادية من إدارة عجز بنيوي يتجاوز 0.35% من الناتج المحلي الإجمالي.

ولكنها توصي بتعهد ملزم قانوناً بالإبقاء على مستويات الاستثمار مرتفعة بما لا يقل عن معدل استهلاك الأصول المملوكة للدولة، واستخدام الفوائض غير المتوقعة في الميزانية، في المقام الأول والأخير، لزيادة الاستثمار العام، ومن أجل دعم الاستثمار المحلي، تقترح لجنة الخبراء إنشاء «ميثاق للاستثمار الوطني» لتمكين البلديات من زيادة الاستثمار بما لا يقل عن 15 مليار يورو على مدى السنوات الثلاث المقبلة.

كما توصي بإنشاء مؤسسة استشارية عامة لمساعدة البلديات في تنفيذ مشاريعها الاستثمارية، والتي تراكمت حالياً بما يعادل 118 مليار يورو.

وتتعلق القضية الأكثر إثارة للجدال، داخل اللجنة وفي ألمانيا، بتمويل البنية الأساسية عن طريق الشراكات بين القطاعين العام والخاص، وهو حل يبدو واعداً ولكنه أثبت رغم ذلك أنه ليس بالدواء الشافي المطلوب. ولإيجاد التوازن الفعّال تقترح خطة العمل إنشاء اثنين من صناديق الاستثمار ذات الملكية العامة ــ أحدهما يجمع المال من المستثمرين المؤسسيين، والآخر من الأفراد. ومن شأنه المشاريع العامة الممولة باستخدام هذين الصندوقين أن تقدم مكاسب الكفاءة الكافية لاجتذاب التمويل من القطاع الخاص.

أما عن استثمارات القطاع الخاص البحتة، فتوصي اللجنة بالتركيز على تطوير القطاعات التي سوف تهيمن على اقتصاد الغد. إن ألمانيا تتسم بالقوة حالياً في قطاعات الصناعة التقليدية، ولكنها تخلفت عن منافسيها في آسيا والولايات المتحدة من حيث الاستثمار في البحث والتطوير. وللحاق بآسيا والولايات المتحدة، فلابد من زيادة الإنفاق على البحث والتطوير في ألمانيا من أقل من 3% إلى 3.5% على الأقل من الناتج المحلي الإجمالي.

وتتجلى الحاجة إلى التغلب على اختناقات التمويل في أوضح صورها عندما يتعلق الأمر بتحويل الطاقة في ألمانيا. ذلك أن تحقيق النجاح في هذا القطاع يتطلب استثمار أكثر من 30 مليار يورو، أو 1% من الناتج المحلي الإجمالي، سنوياً في البنية الأساسية للشبكات، وتوليد الطاقة المتجددة، وأنظمة التدفئة والطاقة المجمعة، وتكنولوجيات التخزين في العقود المقبلة. وفي حين أن بعض هذه الأموال سوف تأتي من ميزانيات عامة، فإن الغالبية العظمى لابد أن يوفرها القطاع الخاص.

وعلاوة على ذلك، سوف يتطلب رفع البنية الأساسية الرقمية في ألمانيا، وخاصة شبكات النطاق العريض، إلى المستويات الدولية استثمارات كبيرة، والتي قد يساعد إطار تنظيمي محسن في تشجيعها. والإصلاح التنظيمي مطلوب أيضاً لتعزيز الدعم للشركات البادئة ــ وهي المنطقة حيث تتسم ألمانيا بالضعف الواضح، والذي ينعكس في الصعوبات التي تواجهها مثل هذه الشركات في الحصول على رأس المال الاستثماري.

وتُعَد الزيادة الكبيرة في الاستثمار الخاص ضرورة أساسية ليس فقط بالنسبة لألمانيا؛ فهي بالغة الأهمية لتعافي أوروبا من أزمتها الجارية. ونظراً للقوة الاقتصادية النسبية التي تتمتع بها ألمانيا، فإنها تتحمل مسؤولية خاصة عن المساعدة في تعزيز الاستثمار في مختلف أنحاء أوروبا، بما في ذلك من خلال تشجيع الإصلاح على مستوى أوروبا بالكامل لقطاعي النقل والطاقة، ودعم حوافز الإبداع، ومساندة التحديث الرقمي.

الواقع أن لجنة الخبراء تدعم خطة رئيس مفوضية الاتحاد الأوروبي جان كلود يونكر لتوجيه نحو 300 مليار يورو من أموال القطاع الخاص إلى مشاريع البنية الأساسية، وتقترح تحويل الخطة في حال نجاحها إلى آلية دائمة للاستثمار الأوروبي، والتي ينبغي للحكومة الألمانية أن تساهم فيها بشكل مباشر.

إن التركيبة الألمانية التي تتألف من النمو القوي، وانخفاض معدل البطالة، وشروط التمويل الميسرة، والفوائض الكبيرة في الميزانية، تعرض عليها فرصة ذهبية. فمع زيادة الاستثمار في البنية الأساسية، ناهيك عن نظام التعليم القادر على المنافسة وظروف العمل الأكثر ملاءمة للاستثمار، تستطيع أن تضع اقتصادها على أسس أكثر قوة وتلائم احتياجات المستقبل، وأن تساعد في انتشال أوروبا من ضائقتها. ونحن الآن لدينا خطة؛ وكل المطلوب هو الإرادة اللازمة لتنفيذها.

 

*رئيس لجنة ورئيس مركز أبحاث في DIW Berlin

**الرئيس التنفيذي المشارك لدويتشه بنك

*** رئيس اتحاد النقابات الألمانية