شهدت الولايات المتحدة فترتي ركود خفيفتين موجزتين، وامتدادين قويين طويلين، في السنوات الخمس والعشرين الماضية . وعلى مستوى العالم، كان نمو الدخول سريعا؛ وتراجع التضخم؛ وازدهرت أسواق الأوراق المالية (البورصة). وعلاوة على ذلك، جلب التعافي من آخر ركود كبير، في أوائل الثمانينيات، ربع قرن من الأداء القوي المستقر على نحو غير مسبوق في الاقتصاد الكلي. ولكن هذه المرة، كانت العودة إلى النمو أشد صعوبة إلى حد كبير.
والولايات المتحدة ليست وحدها. فبرغم أن أغلب الاقتصادات الأوروبية عادت إلى النمو من جديد الآن، بفضل انخفاض أسعار النفط وقيمة العملة، فإن وتيرة التوسع تظل هزيلة. وعلى نحو مماثل، لا يزال التعافي في اليابان هشاً، برغم الجهود الحثيثة التي تبذلها الحكومة. وحتى الاقتصادات الناشئة الرئيسية، التي كان من المفترض أن تخدم كمحركات للنمو العالمي في السنوات القادمة، تناضل الآن: فقد اتجهت الصين والهند نحو خفض النمو، وانكمشت البرازيل وروسيا.
عندما تستمر فترة الرواج أو الركود لفترة طويلة إلى هذا الحد، فإنها تبدو وكأنها سوف تستمر إلى أجل غير مسمى. فبعد مرور ست سنوات منذ أن اندلعت الأزمة، يتساءل بعض خبراء الاقتصاد البارزين ما إذا كان نقص الاستثمار و/أو المكاسب المتضائلة من الإبداع التكنولوجي قد دفع الاقتصاد العالمي إلى وضع «معتاد جديد» يتسم بانخفاض النمو وتباطؤ المكاسب، هذا إن تحققت أية مكاسب، في مستويات المعيشة. ويطلق بعض خبراء الاقتصاد على هذا الوضع مسمى «الركود المزمن» ــ وهي طريقة أخرى يعبرون بها عن زوال الأيام الطيبة إلى الأبد. تُرى هل هم على حق؟
إن إجمالي النمو الاقتصادي يبلغ مجموع نمو ساعات العمل تقريبا (زيادة عدد العمال أو مجموع ساعات عملهم) والإنتاجية (الناتج عن كل ساعة عمل). فإذا تحسنت الإنتاجية بمقدار نقطة مئوية واحدة سنويا، يزداد تحسن مستويات المعيشة على مدى الجيل التالي بنحو الثلث. وبمرور الوقت، يصبح تحسن الإنتاجية ولو بجزء ضئيل من النقطة المئوية مؤثراً للغاية ، ومن الممكن تعزيز الإنتاجية من خلال الاستثمار في رأس المال، والإبداع التكنولوجي، وتحسين معارف ومهارات قوة العمل، وإن كان خبراء الاقتصاد يختلفون في الرأي حول أي من ذلك قد يخلف التأثير الأكبر. ووفقاً لبحث شاركني فيه لاري لاو، فإن التكنولوجيا لعبت الدور الأكبر في تعزيز الإنتاجية في اقتصادات مجموعة الدول السبع الكبرى منذ الحرب العالمية الثانية.
ويرد المتفائلون بأن الهواتف الذكية، والبيانات الضخمة، والتقدم المتوقع في التكنولوجيا، والروبوتات، والعلوم البيولوجية تبشر بحقبة جديدة من الإنتاجية التي يدفعها التحسن التكنولوجي. وقد يكون من المستحيل أن نتنبأ بالتطبيق «القاتل» المقبل، كما يزعمون، ولكنه سوف يتطور دوما.
من الواضح أن التنبؤ بمسار التقدم التكنولوجي أمر صعب. والواقع أن القيمة التجارية الرئيسية للتكنولوجيا الجديدة ليست ظاهرة دوماً حتى في نظر المخترع. فعندما قام ماركوني بتنفيذ أول بث لاسلكي عبر الأطلسي قبل قرن من الزمان، كان يتنافس مع التلغراف في مجال الاتصال من نقطة إلى نقطة؛ ولم يكن في تصوره قَط البث الإذاعي لعامة الناس. وقد صمم توماس إديسون الفونوغراف لمساعدة المكفوفين ــ وأقام دعوى قضائية لمنع استخدامه لتشغيل الموسيقى.
وما زاد الأمور تعقيداً حقيقة مفادها أن الموجة المقبلة من التطورات التكنولوجية المعززة للإنتاجية من المرجح أن تحدث في قطاعات مثل الرعاية الصحية، حيث يصعب قياس تأثيرها الاقتصادي. ويعتقد خبراء الاقتصاد أن العديد من التحسينات التي أدخلت على جودة الرعاية الصحية ــ مثل العلاجات الأكثر فعالية لإعتام عدسة العين أو أمراض القلب ــ لا تنعكس بدقة في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي، وتسجل بشكل غير صحيح باعتبارها زيادات في الأسعار. ومن الواضح أن ابتكار سبل قياس أفضل لهذه التغيرات يشكل ضرورة أساسية للتوصل إلى تقييم دقيق للتقدم الاقتصادي.
من المؤكد أن النمو القائم على التكنولوجيا ينطوي على بعض المخاطر. ففي حين أن المخاوف القديمة من أن يؤدي التشغيل الآلي والذكاء الاصطناعي إلى بطالة بنيوية واسعة النطاق لم تتحقق ولم تثبت صحتها قط، فقد ساهمت التكنولوجيا والعولمة في فرض ضغوط شديدة على أجور الجميع باستثناء العمال الأكثر مهارة في الاقتصادات المتقدمة. وقد ازدادت حصة رأس المال في الدخل الوطني، في حين انخفضت حصة العمل، ولكن تنفيذ السياسات التي تقيد التكنولوجيات المحتملة المعززة للإنتاجية خطأ فادح.
ولتشجيع النمو الأكثر قوة وما يرتبط بذلك من تحسن في مستويات المعيشة، ينبغي للحكومات أن تضمن أن القطاع الخاص لديه ما يكفي من الحوافز للإبداع، وريادة الأعمال، والاستثمار في رأس المال المادي والبشري. على سبيل المثال، من الممكن أن يختصر المسؤولون الروتين الحكومي، وكبح جماح العجز والدين، وتفعيل السياسات الضريبية التي تفضي إلى تكوين رأس المال، وإصلاح النظام التعليمي، والاستثمار في البحث والتطوير.
بطبيعة الحال، لا ينبغي لأحد أن يتوقع العودة إلى سنوات الازدهار قبل الأزمة، نظراً للضغوط الديموغرافية التي تواجهها كل الاقتصادات الكبرى، بما في ذلك الصين. ولكن هذه الحوافز تحظى بأفضل فرصة لمواصلة تدفق التكنولوجيا المعززة للإنتاجية، من الشركات البادئة إلى أقسام البحث لدى الشركات الراسخة في صناعات من التكنولوجيا إلى الطاقة إلى الرعاية الصحية.
* أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد وكبير زملاء مؤسسة هووفر
