إن البصيرة الجيوسياسية تُكتَسَب عادة من خلال الخبرات الحياتية الواقعية، وليس بالتفكير في الصورة الكبيرة. كان الوصول إلى مطار شارل ديغول في باريس من كوناكري عاصمة غينيا بمثابة مثال توضيحي مناسب لهذا الافتراض: فمطار كوناكري، الذي يقع في واحد من أفقر بلدان العالم على الإطلاق، يتفوق على مركز فرنسا العالمي المرموق من حيث النظافة والخدمة والأبهة.

يدلل التاريخ على صعوبة تجنب ما يُعرَف بلعنة الموارد، ويؤكد أن هذه اللعنة لا تصيب الدول الأقل نمواً فقط مثل نيجيريا، كما يفترض كثيرون. ففي ثمانينات القرن العشرين كانت طفرة الازدهار التي حركها اكتشاف النفط والغاز في بحر الشمال في المملكة المتحدة سبباً في تقويض القدرة التنافسية العريضة القاعدة للبلاد، عندما أهدرت حكومة رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر قسماً كبيراً من العائدات على الهبات والمساعدات التي شجعت الاستهلاك المفرط.

ورغم نجاح حفنة من البلدان الغنية بالمواد الأساسية في التخلص من هذه اللعنة، بما في ذلك بوتسوانا، والشيلي، والنرويج، فإنها فشلت في تنويع اقتصاداتها، فظلت معتمدة على الصادرات القائمة على الموارد الطبيعية. ولكن التاريخ ليس من المحتم أن يعيد نفسه، والآن يسعى زعماء الدول الغنية بالمواد الأساسية إلى تغيير مستقبل بلدانهم.

والواقع أن البلدان في مختلف أنحاء أفريقيا ــ بما في ذلك غانا، وليبيريا، وموزمبيق، ورواندا، وأوغندا ــ بدأت تُظهِر علامات مبكرة على النجاح.

وتعكس مثل هذه التطورات تزايد الثقة في الآفاق الاقتصادية في أفريقيا، وبالتالي في قدرتها على الإفلات من لعنة الموارد. ولكن هذه الدول لا تزال تواجه عقبات هائلة تعوق التنمية.

إن التخلص من لعنة الموارد يتطلب وجود زعامة سياسية محلية قوية وشرعية، ولكن الأمر يتطلب أيضاً مشاركة مجتمع استثماري عالمي قادر على تجاوز التفكير القصير النظر، والتحيزات الإيديولوجية.

* كبير مستشاري المعهد الدولي للتنمية المستدامة