يبدو الخطر المالي الرئيسي الذي يواجه الولايات المتحدة اليوم مشابهاً إلى حد كبير للخطر الذي تسبب في إحداث قدر كبير من المتاعب منذ سنوات قليلة : الديون الكبيرة المثقلة بقدر أكبر مما ينبغي من الديون .
والتي تعمل برأسمال أقل مما ينبغي على دفاتر ميزانياتها العمومية. وكانت التنظيمات العالمية المتفاوتة، ناهيك عن القائمين عن التنظيم الذين كانوا في سبات عميق، سبباً في تفاقم هذا الضعف البنيوي ، لقد شاهدنا هذا الفيلم من قبل، ولم تكن نهايته سارة. وفي المرة القادمة قد يتحول إلى فيلم رعب أشد سوءا.
إن السؤال الأكثر أهمية الذي ينبغي لنا توجيهه إلى أي نظام مالي هو عن حجم أصول المساهمين القادرة على امتصاص الخسائر والتي تحتفظ بها البنوك الكبرى على ميزانياتها العمومية. فعندما تعاني أي شركة من الخسائر، تهبط قيمة رأسمال المساهمين، وكلما قل رأس مال المساهمين كلما أصبح احتمال العجز عن سداد الديون أكثر ترجيحا.
الواقع أن نسب رأس المال التي تبرزها البنوك والمسؤولون عادة مضللة، لأنها تتضمن بنودا ــ مثل الشهرة والأصول الضريبية المؤجلة ــ غير قادرة على استيعاب الخسائر. ويتعين علينا أن ننظر بدلاً من هذا إلى حقوق المساهمين الملموسة نسبة إلى الأصول الملموسة.
كما يتعين علينا أن نتوخى الحذر الشديد في التعامل مع الأسلوب المحاسب المستخدم في تقييم المشتقات المالية. وحول هذه القضية الفنية ولكنها حاسمة، كانت المبادئ المحاسبية المتعارف عليها في الولايات المتحدة أكثر سخاءً إلى حد كبير (لأنها تقلل من تقدير الخسائر المحتملة) مقارنة بالمعايير الدولية لإعداد التقارير المالية.
يقوم توماس هونيغ، نائب رئيس مؤسسة التأمين على الودائع الفيدرالية، بنشر حساباته الخاصة لمستويات رأس المال لدى البنوك الأكبر على مستوى العالم، وهذه البيانات متاحة الآن وحتى نهاية عام 2014.
والواقع أن البنك الأميركي الأكثر استدانة، وهو مورغان ستانلي، لا يتجاوز رأسمال المساهمين لديه 4%، وهذا يعني أن 96% من ميزانيته العمومية هو مجموع ديونه. ومتوسط حقوق المساهمين لدى البنوك الأميركية الخمسة الكبرى في الولايات المتحدة يقل قليلاً عن 5%.
وهذا أكثر ــ ولكن ليس أكثر كثيرا ــ من رأس المال الذي كان لدى بعض البنوك المتعثرة في الفترة التي سبقت الأزمة المالية. فعندما بدأ هونيغ في نشر تكييف المبادئ المحاسبية المتعارف عليها في الولايات المتحدة-المعايير الدولية لإعداد التقارير المالية، كان متوسط حقوق المساهمين لدى البنوك الأميركية الأكبر حجماً نحو 4%.
ومن الممكن أن نزعم أن هذا المقياس الأساسي يتحرك في الاتجاه الصحيح، ولكن وتيرة التحسن بطيئة للغاية في أفضل تقدير.
والأمر الأكثر أهمية هو أن حقوق المساهمين بنسبة 5% من غير المرجح أن تكون كافية لامتصاص ذلك النوع من الخسائر التي قد يرميها بها عالم شديد التقلب. إن بعض الصدمات الكبرى قد تأتي من جهات غير متوقعة. على سبيل المثال، ربما تثبت الأصول كونها أقل سيولة مما يفترض المستثمرون، واليوم يخشى المتشككون بشأن صناديق الاستثمار المتداولة.
أو قد يصبح من الصعب تسعير الأوراق المالية المفرطة التعقيد. ويرتفع العلم الأحمر عندما يعجز من يبيعون التزامات القروض المضمونة اليوم عن تفسير المخاطر التي تنطوي عليها بشكل كامل..
أو ربما تؤثر الصدمة على قيم الديون السيادية في أماكن بعيدة، كما حدث في عام 1982. ومن اللافت للنظر أن كل الخبراء ــ على المستويين العام والخاص ــ لا يستطيعون أن يجزموا حقاً بما قد يحدث إذا نشأت جولة جديدة من الصعوبات في التعامل مع ديون الحكومة اليونانية.
ولكن الصدمات الأشد خطورة ربما تكون تلك التي تنشأ بنشوء البنوك الكبيرة ذاتها. وكان التطور الأكثر أهمية والذي ظهر على السطح مؤخراً هو ما تسميه «الأسواق الأفضل» (وهي مجموعة مناصرة للإصلاح، وقد أعدت عرضاً مفيداً للحقائق) «الشركات الأجنبية التابعة المضمونة بحكم الأمر الواقع» والتي تتاجر في المشتقات المالية ــ وهي ظاهرة غير واضحة ..
ومن المرجح أن تضم كل اللاعبين الكبار. والخدعة هنا هي أن الشركة الأجنبية التابعة المضمونة بحكم القانون لبنك أميركي لابد أن تلتزم بالعديد من القواعد الأميركية، بما في ذلك التي تحكم السلوك، والشفافية، وتصفية الحسابات (كيف يتم تداول المشتقات المالية في واقع الأمر). وتُعفى الشركة التابعة الأجنبية المستقلة افتراضاً من هذه القواعد.
ولكن كما يشير دينيس كيليهر من الأسواق الأفضل، فعندما تتصاعد الضغوط وتلوح الأزمة قريبة في الأفق، تواجه البنوك ضغوطاً أعظم لإعادة مثل هذه الشركات التابعة إلى ميزانياتها العمومية. وهذا هو ما حدث على وجه التحديد في الأزمة الأخيرة.
إن السبب الرئيسي وراء ترك مثل هذه الثغرات مفتوحة هو أن القائمين على التنظيم اختاروا عدم غلقها. وقد يكون هذا في بعض الأحيان راجعاً إلى الافتقار إلى المعلومات أو الوعي. ولكن في العديد من الحالات، يعتقد القائمون على التنظيم حقاً أنه لا يوجد ما يعيب السلوك محل التساؤل ــ إما لأن جماعات الضغط أقنعتهم أو لأنهم أنفسهم تعودوا على العمل في هذه الصناعة (أو ربما يذهبون للعمل بها قريبا). ألا يبدو هذا مألوفا؟
*أستاذ بمدرسة سلون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا
