00
إكسبو 2020 دبي اليوم

التعافي الأميركي المحفوف بالمخاطر

ت + ت - الحجم الطبيعي

يقترب اقتصاد الولايات المتحدة من تحقيق هدف التشغيل الكامل للعمالة، وربما وصل إلى هناك بالفعل. ولكن اتجاه تشغيل العمالة الواعد في أميركا يأتي مصحوباً بزيادة كبيرة في مخاطر القطاع المالي، نظراً للسياسة النقدية مفرطة التيسير التي استخدمت لتحقيق التعافي الاقتصادي الحالي، فقد انخفض معدل البطالة الإجمالي إلى 5.5% فقط، ولا يتجاوز معدل البطالة بين خريجي الجامعات الآن 2.5%. أما الزيادة في التضخم والتي تحدث عادة عندما يبلغ الاقتصاد مستويات تشغيل العمالة هذه فقد تأجلت مؤقتاً بفِعل انخفاض سعر النفط وارتفاع قيمة الدولار بنسبة 20%. والدولار الأقوى لا يعمل على خفض تكاليف الواردات فحسب بل ويفرض أيضاً ضغوطاً تدفع أسعار المنتجات المحلية التي تنافس الواردات إلى الانخفاض. ومن المرجح أن يبدأ التضخم بالارتفاع في العام المقبل.

وتعكس العودة إلى العمالة الكاملة استراتيجية بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي المتمثلة في «السياسة النقدية غير التقليدية» ــ مزيج من عمليات الشراء الضخمة من الأصول طويلة الأجل والمعروف باسم التيسير الكمي ووعده بالإبقاء على أسعار الفائدة قصيرة الأجل قريبة من الصِفر. وكان انخفاض مستوى كل أسعار الفائدة نتيجة لهذه السياسة سبباً في دفع المستثمرين إلى شراء الأسهم وزيادة أسعار المساكن المشغولة بمالكيها. ونتيجة لهذا، ارتفعت القيمة الصافية للأسر الأميركية بنحو 10 تريليونات دولار في عام 2013، الأمر الذي أدى إلى زيادات في الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار في الأعمال التجارية.

بعد التعافي الأولي بالغ التباطؤ، بدأ الناتج المحلي الإجمالي ينمو بمعدلات سنوية تجاوزت 4% في النصف الثاني من عام 2013. واستمر الإنفاق الاستهلاكي والاستثمار في الأعمال التجارية على ذلك المعدل في عام 2014 (باستثناء الربع الأول، نظراً للتأثيرات المرتبطة بالطقس والتي خلفها شتاء قارس بدرجة غير عادية). وبفضل النمو القوي ارتفع معدل تشغيل العمالة ودفع الاقتصاد إلى مستوى التشغيل الكامل للعمالة.

ولكن السياسات النقدية غير التقليدية التي انتهجها بنك الاحتياطي الفيدرالي ساعدت أيضاً في خلق تهديدات خطيرة للقطاع المالي والاقتصاد ككل. ذلك أن أسعار الفائدة بالغة الانخفاض والسائدة الآن كانت سبباً في دفع المستثمرين إلى خوض مجازفات مفرطة من أجل تحقيق عائد حالياً أعلى على محافظهم الاستثمارية، وغالباً للوفاء بالتزامات العائد التي تحددها عقود التقاعد والتأمين، وكان هذا السعي إلى تحقيق العائد سبباً في دفع أسعار كل السندات طويلة الأجل إلى الارتفاع إلى مستويات غير قابلة للاستمرار، وتضييق الفوارق الائتمانية على سندات الشركات وديون الأسواق الناشئة، ورفع الأسعار النسبية للعقارات التجارية، ودفع نسبة أسعار سوق الأسهم إلى المكاسب إلى الارتفاع بنسبة 25% أعلى من المتوسط التاريخي، كما تسببت بيئة أسعار الفائدة المنخفضة في دفع المقرضين إلى خوض المزيد من المجازفات من أجل الحفاظ على الأرباح. وتقدم البنوك وغيرها من المقرضين الائتمان لمقترضين أقل جودة، ومقترضين مثقلين بكميات ضخمة من الديون القائمة، وفي هيئة قروض أيسر شروطاً للمقترضين (ما يسمى «قروض التعاهد الخفيفة»).

وعلاوة على ذلك، تسببت أسعار الفائدة المنخفضة في خلق مشكلة جديدة: عدم توافق السيولة. فقد ساعدت تكاليف الاقتراض الميسرة في تغذية زيادة هائلة في إصدار سندات الشركات، والتي يحتفظ بكثير منها في هيئة صناديق الاستثمار المشترك في السندات أو صناديق الاستثمار المتداولة. ويعتقد المستثمرون في هذه الصناديق ــ عن حق ــ أنها تتمتع بسيولة كاملة. وبوسعهم أن يطالبوا بأموالهم نقداً بعد يوم واحد. ولكن في هذه الحالة، يتعين على صناديق الاستثمار المشترك وصناديق الاستثمار المتداولة بيع هذه السندات الشركاتية. وليس من الواضح من سيكون المشترون، وخاصة بعد أن قيد تشريع دود-فرانك للإصلاح المالي في عام 2010 ما يجوز للبنوك أن تقوم به.

ورغم الحديث عن تعويض هذه المخاطر بسياسات التحوط الكلي، فلا وجود لمثل هذه السياسات في الولايات المتحدة، باستثناء زيادة متطلبات رأس المال التي فرضت على البنوك التجارية.

هذا هو إذن الموقف الذي يواجهه بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في حين ينظر في «تطبيع» السياسة النقدية. ولهذا فإن بعض أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة (هيئة صنع السياسات في بنك الاحتياطي الفيدرالي) يخشون أن يؤدي رفع سعر الفائدة قصيرة الأجل على الأموال الفيدرالية إلى إشعال شرارة ارتفاع كبير في أسعار الفائدة الأطول أجلا، على نحو يكبد المستثمرين والمقرضين الخسائر، وبتأثيرات سلبية على الاقتصاد. ويخشى آخرون أنه حتى في غياب مثل هذه الصدمات المالية، لن يستمر الأداء الاقتصادي القوي حالياً عندما ترتفع أسعار الفائدة. وهناك أعضاء آخرون في اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة يريدون الإبقاء على أسعار الفائدة منخفضة من أجل دفع معدل البطالة إلى المزيد من الانخفاض، برغم احتمالات تسارع التضخم والمزيد من مخاطر القطاع المالي.

ولكن في نهاية المطاف، يتعين على أعضاء اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة أن يدركوا أنهم لا يمكنهم تأجيل الزيادة في أسعار الفائدة إلى ما لا نهاية، وأنهم بمجرد البدء برفع أسعار الفائدة، يتعين عليهم أن يدفعوا أسعار الصناديق الفيدرالية الحقيقية (المعدلة تبعاً للتضخم) إلى 2% بسرعة نسبيا. وفي اعتقادي أنهم سوف يشرعون في زيادة أسعار الفائدة في سبتمبر، وأن سعر الفائدة على الأموال الفيدرالية سوف يرتفع إلى 3% عند نقطة ما من عام 2017.

* أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد

طباعة Email