أعادت مفاوضات اليونان المثيرة للخلاف مع الاتحاد الأوروبي قضية الدين مجدداً إلى بؤرة النقاشات المتعلقة بالنمو والاستقرار. لكن اليونان ليست الدولة الوحيدة التي تكافح من أجل تسديد ديونها القائمة، ناهيك عن تقليص الاستدانة. لذا يجدر بالدول الأخرى أن تكون مفاوضات اليونان المليئة بالمشاكل مع دائنيها حافزاً لها للتحرك ومعالجة أعباء ديونها المتراكمة.

لا شك أن الدين في حد ذاته ليس أمراً سيئاً، لكن الاعتماد المفرط على الدين ينشئ خطر التعرض للأزمات المالية. من هذا المنطلق، ينبغي للعالم أن يجد طرقاً للنمو أقل اعتماداً على الائتمان مع سبل للتخلص من أعباء الديون القائمة في الوقت ذاته.

هناك خيارات ثلاثة متاحة للدول للحد من تراكم الديون مستقبلا. فأولا، يمكنها تبني إجراءات لمقاومة التقلبات الاقتصادية وضمان السلامة الاحترازية الكلية للنظم المالية..

وذلك لتقليص دوائر الائتمان ومنع الاقتراض المفرط. فعلى سبيل المثال، قد يسهم وضع قيود أكثر صرامة على نسبة القرض إلى القيمة وتحديد متطلبات رأسمالية أعلى للبنوك في تقليل نمو الائتمان عند انفلات الأسعار بأسواق الإسكان أو الأسواق التجارية أو أسواق العقارات.

لكن نهجاً مغايراً تماماً هو المتبع حالياً في الولايات المتحدة الأميركية، حيث تُتاح لبعض مشتري العقارات السكنية للمرة الأولى رهون تبلغ نسبة القرض فيها إلى القيمة 97 %.

وقد تكمن استراتيجية ثانية للحد من تراكم الديون في تقديم عقود رهن تتيح قدراً أكبر من تقاسم المخاطر بين المقترضين والمقرضين، تكون في الأساس بمثابة هجين من الديون والأسهم. ..

وكما أوضحت لنا الصورة القاتمة التي رسمتها فترة الركود الكبير، فإنه عندما تكون هناك فترة من الارتفاع الكبير في قيم العقارات وارتفاع ديون الأسر تعقبها فترة من هبوط الأسعار

ومحاولة الأسر تخفيض ديونها، فربما تكون النتائج حينئذ كارثية. والآن، ينبغي لنا أن نسخر موهبة الابتكار المالي التي أنتجت خيارات جديدة ضارة في مجال الرهن العقاري السكني قبل الانهيار، لإنتاج رهن عقاري أكثر مرونة يساعد المقترضين في تجنب العجز عن السداد.

ومن الأمثلة، رهون «المسؤولية المشتركة» التي تُخَفَّض فيها أقساط السداد تحت ظروف معينة، مثل هبوط أسعار العقارات السكنية لمستوى أقل من سعر الشراء المحدد للمقترض. ففي مقابل هذه المرونة، يحصل المقرض على حصة من أي مكاسب مالية ناتجة عند بيع العقار السكني. كذلك فإن رهون إعادة الجدولة المستمرة تقوم على تعديل أقساط الدفع والشروط في حالات معينة، مثل فقدان الوظيفة.

ويتمثل الخيار الثالث للحد من تراكم الديون في إعادة النظر في قوانين الضرائب التي تشجع الدين. ففي دول كثيرة، تبقى الفائدة المستحقة عن أي رهن خاضعة للضريبة.

ورغم النزاع السياسي الشديد حول وقف هذه السياسة تدريجياً، فقد تمكنت بعض الدول ــ ومنها المملكة المتحدة في ثمانينيات القرن الماضي ــ من القيام بذلك. بالمثل، قد يكون تقليص الحوافز التي تدفع الشركات إلى الاستدانة، التي أوجدتها النظم الضريبية في كل الدول تقريباً، أمراً صعباً ــ وإن كان غير مستحيل.

يتحتم على الحكومات أيضاً أن تعمل على خفض الدين القائم ــ وما يترتب عليه من ضعف الطلب العالمي. ليس من الممكن عملياً بالنسبة للحكومات ذات المديونية الأعلى أن تتخلص تماماً من الديون.

كذلك لا يكفي التقشف وحده، لأنه قد يضطر الدول إلى القيام بمثل تلك التسويات المالية الكبيرة ــ 5 % من الناتج المحلي الإجمالي في حالة إسبانيا ــ التي من المرجح يقاومها المواطنون، كما فعل اليونانيون من قبل، وقد يكون توظيف سلسلة أكبر من الأدوات، بما في ذلك إعادة هيكلة الديون، نهجاً أكثر فعالية. وربما كان من المفيد لبعض الدول القيام بعمليات بيع للأصول العامة وتحصيل الضرائب على الثروات مرة واحدة.

أما المستثمرون والمحللون وغير ذلك من المعلقين، فيتعين عليهم أن يتبنوا رؤية أكثر دقة وتمييزاً لالتزامات الدين الحقيقية على الحكومات.

ويرجع كثير من تراكم الديون السيادية في السنوات الأخيرة إلى سياسة التيسير الكمي، في ظل قيام البنوك المركزية بعمليات شراء واسعة النطاق للسندات الحكومية. إذ يمتلك بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي وبنك إنجلترا وبنك اليابان 16 % و24 % و22 % على التوالي من جميع السندات القائمة.

ولأن البنوك المركزية مملوكة للحكومات، والفائدة التي تُدفع على السندات مستحقة السداد يُعاد تحويلها إلى الخزانة العامة، فإن هذه السندات الحكومية تكون بذلك مختلفة تماماً عن تلك التي يمتلكها دائنون آخرون.

ويعد التركيز على الدين الحكومي «الصافي» (الذي يستثني أرصدة الدين الحكومية، مثل السندات المملوكة للبنوك المركزية) أسلوباً أكثر فعالية لتقييم الدين العام وضمان استدامته.

لقد أماطت الأزمة الاقتصادية العالمية اللثام عن تحدي خفض الدين ــ والمخاطر التي تسببها الاستدانة المفرطة. لكن الأزمة زادت أيضاً من اعتماد الحكومات والأسر على الاستدانة (اقتراض أموال بفائدة معينة وتوظيفها للحصول على عائد يفوق كلفة الاقتراض)، الأمر الذي تسبب في استمرار ارتفاع مستويات الدين ــ وهو اتجاه من شأنه أن يؤدي إلى المزيد من الأزمات في المستقبل، إذا أطلِق له العنان بلا ضابط أو رابط.

لقد حان الوقت لإعادة توجيه الابتكار المالي نحو تطوير أدوات وأساليب جديدة لمعالجة هذه التحديات. عند ذلك فقط، يصبح بوسع الاقتصاد العالمي أن يمضي قدماً على مسار النمو المستدام.

* معهد الفكر الاقتصادي الجديد، ورئيس هيئة الخدمات المالية البريطانية السابق

** شريك في معهد ماكينزي العالمي، الذي نشر مؤخراً تقرير «الدين والتقليص (غير الكبير) للمديونية».