الثورات والنزاعات والصراعات، هي في النهاية آليّات تفاوضيّة، يُستخدم فيها الحوار كما السلاح. يُمكن عبرها قراءة أحداث سوريا الحالية، كما مجمل أحداث »الربيع العربيّ«، والآليّات التفاوضيّة لا تقتصر على الجلوس على طاولة، بل تتضمّن جهوداً لبناء تحالفات وصياغة نصوص حول مطالب ورؤى تكون هي محور التفاوض.
تغيّرت معالم النزاع كثيراً بعد أكثر من أربع سنوات من انطلاق الانتفاضة في سوريا. في البداية، كان للنزاع طرفان وحيدان، على الأقلّ ظاهريّاً، الدولة والمنتفضون. إلاّ أنّ الطرفين عانا من إشكاليّة تمثيل. فمن الذي يُمكن أن يمثّل الدولة في حين هناك سلطة تهيمن على المؤسسات وتتخطّى حتّى الدستور التي وضعته. وقد برزت هذه الإشكاليّة بوضوح عندما أجري »حوار وطنيّ« في الشهور الأولى، غاب عنه بالتحديد رمزٌ يمثّل رأس السلطة ورئاسة الدولة شخصيّاً.
وانتهى الحوار مع ممثّلين عن الدولة لا سلطة لهم، وخرجت توصياته دون تنفيذ.
في المقابل، من يمكن له تمثيل جماهير تتظاهر تحت راية شعارات، مثل ثورة، أو إسقاط نظام، أو حريّة وكرامة، في حين لا مفرّ من تحديد معاني هذه التعابير وصياغتها في نصوصٍ وتفاصيل يتمّ إقرارها أو التفاوض عليها. في البداية، برز الاحتجاج محليّاً في درعا. ولكنّ السلطة رفضت التفاوض مباشرةً مع ممثّلي أهالي درعا، في وقتٍ كان يُمكن حلّ النزاع عبر بضعة إجراءات.
والمفارقة أنّه عندما انتشر الاحتجاج ليشمل أنحاء واسعة من البلاد، عمد رأس السلطة إلى إجراء حوارات محليّة عديدة وطويلة مع ممثّلي الأهالي، في حين بات موضوع النزاع يتخطّى الصعيد المحلّي وأضحى يخصّ الوطن برمّته.
لم تلعب القوى السياسيّة في البلاد دوراً حقيقيّاً سوى بعد أشهر. وخلقت أوّل تحالفاتها، التي كان يمكن أن تشكّل ندّاً تفاوضياً للسلطة، ضمن آليّات داخليّة وسلميّة. لكنّها لم تنجح حقّاً في تأطير حركة احتجاج شبابيّة تنتمي إلى عصرٍ جديد، بالإضافة إلى حرص السلطة على التفاوض بلغة السلاح، ما سمّي حينها »الحلّ الأمنيّ«، وكذلك على استئصال الكوادر التي تخلق الصلة بين التنظيمات السياسية والاحتجاج الشعبيّ، وتضبط وتيرة الاحتجاج كي لا يتفجّر العنف.
كما أنّ تدخّل قوى إقليميّة قد أخذ إلى تشكيل تحالفٍ مناهضٍ للتحالف السياسيّ الداخليّ، تزامن مع انطلاق آليّة عنيفة لإسقاط النظام في ليبيا واستلهم من مجرياتها، حيث تدخّلت فيه قوى خارجيّة عسكريّاً وبشكلٍ مباشر.
وحدها المناطق ذات الخصوصيّة الكرديّة، التي تعرف تنظيمات سياسيّة متجذّرة، تفرّدت في ضبط وتيرة الاحتجاج وعلاقاتها مع السلطة.
تعدّدت بالتالي أطراف التفاوض الداخليّة وتعقّدت إمكانيّاته، وتداخلت معه بقوّة أطراف خارجيّة، وبات تصاعد العنف آليّة حتميّة. لم يكن بالإمكان حينها سوى التفاوض على ضبط تصاعد العنف، عبر الجامعة العربيّة ومن ثمّ الأمم المتحّدة، من خلال نشر مراقبين غير مسلّحين. إلاّ أنّ السلطة من ناحية، وقوى خارجيّة من ناحية أخرى، لم ترِد لهذا الضبط أن ينجح.
ثمّ أطلق مبعوث الأمين العام للأمم المتحدة مبادرة من 6 نقاط، تتضمّن محطّتين لتوضيح أطراف التفاوض وصياغة نصوصه. حتّى وصلت هذه المبادرة إلى وثيقة جنيف 1، التي تضمّنت اتفاق القوى الإقليميّة، عدا إيران، والدوليّة على حلٍّ للصراع. تمّ تثبيته فيما بعد بقرارٍ من مجلس الأمن. كما أدّت هذه المبادرة إلى توافقات مؤتمر للمعارضة في القاهرة صاغ رؤية مشتركة لسوريا ما بعد النزاع، ومعالم لإدارة المرحلة الانتقاليّة.
كان يُمكن لهذه الصياغات والتحالفات أن تضع الأسس لحلّ سياسيّ تفاوضيّ ضمن معالم النزاع في ذلك الوقت. إلاّ أنّ تحالف »المعارضة« حول وثائق القاهرة سرعان ما انفرط في اليوم التالي لإقرارها. ولم يرِد من قال إنّه »ممثّل وحيد للشعب« التخليّ عن هذه »الشرعيّة«، أنّه الطرف المفاوض الوحيد.
كما تزامن إنتاج هذه الأسس التفاوضيّة مع دفعٍ للنزاع لم يُعرَف مصدره إلى حربٍ مفتوحة »لتحرير« حلب وريفها. حربٌ أخذت إلى انفراط التحالف بين السياسيّ والميدانيّ / العسكريّ في جهة المعارضة، ومكّنت السلطة من تثبيت تحالفها مع مؤسسّات الدولة ومع فئات من المجتمع باتت خائفة من عنف التغيير.
دمّرت الحرب أرواحاً ومساكن ومنشآت. لكنّها دمّرت أيضاً روابط المجتمع، وفجّرت محليّاً قوى وهويّات ما قبل الدولة، لتنتهي بتغيير معالم الصراع. هكذا برزت تنظيمات متطرّفة على طرفي النزاع الأساس، لا علاقة لها به ولا بمفهومي الوطن والمواطن.
نمت وترعرعت القوى المتطرّفة في ظلّ فوضى الحرب ومآسيها. وتواطأت الأطراف كافّة في تسهيل هذا النموّ.
حتّى وصل إلى درجة حدوث انقسامات داخل هذه القوى، يتحالف كلُّ جزءٍ منها مع طرفٍ من الأطراف الداخليّة للصراع. بل كي يندمج أحدها مع مكوّنات دولة عراقيّة سابقة من جيشٍ وأجهزة أمن، كان قد تمّ حلّها وسحقها خلال غزو العراق، كي يخلق دولة داعش الخلافيّة العابرة للحدود.
بالتالي أضحت داعش طرفاً رئيساً من النزاع، تتحالف تارة مع السلطة السوريّة وتتواجه في أخرى. كذلك أضحت جبهة النصرة طرفاً، تتحالف مع قوى المعارضة المسلّحة ضدّ السلطة وحلفائها، وتضرب من ناحية أخرى كلّ من يمكن أن يشكّل قوّة منافسة لها في هذا الحلف. كما أضحى أيضاً حزب الله اللبنانيّ طرفاً في الصراع، وكذلك إيران التي موّلت وسلّحت بل تواجدت مباشرة عبر ميليشيات على الأرض.
في ظلّ ظروف الحرب العبثيّة هذه، كان لافتاً أنّ الدعوة لعقد جولة تفاوضيّة في جنيف، بين السلطة والائتلاف، أتت بالتحديد في الوقت الذي كانت فيه داعش تتحوّل لتسيطر على مساحات شاسعة من الأرض ولتصبح شبه دولة. تفاوضٌ عقيمٌ لطرفين لم يعودا بأيّ شكلٍ هما الوحيدان في ميدان الحرب.
وها هي روسيا تطلق بعد أشهرٍ من ذلك، تفاوضاً بشكل حوارٍ تشاوريّ. لا جدوى له سوى إبراز أنّ أطراف النزاع أضحت متعدّدة، وأنّ لا أحد يمثّل سوى جزءٍ من واقعٍ مشرذم. وسيُبرِز هذا النوع من التفاوض المتعدّد الأطراف إذا ما استمرّ، في موسكو أو في غيرها من الأمكنة، فوضى الأجندات الخاصّة، وتعقيدات ترابط الداخليّ مع الخارجيّ، والتحالفات الخفيّة، وصعوبات ترتيب الآليّات التفاوضيّة وصياغة نصوص تُعطي الواقع كامل حقّه كي تخرج البلاد من مخاطر تحوّله إلى »دولة فاشلة«.
لا بدّ من إعادة ترتيب آليّات التفاوض في الحالة السوريّة على أسسٍ متعددّة الأطراف. يتضمّن هذا السير نحو توافقٍ إقليميّ ودوليّ يأخذ بعين الاعتبار انتشار التنظيمات المتطرّفة وإيقاف الدعم الذي تحظى به، وآليّات داخليّة تفصل ميدانيّاً ضمن المتحاربين بين الإرهاب والقتال من أجل حقوق، وتضع هذه الحقوق ضمن صياغات مشتركة مع كامل أطياف المجتمع المدنيّة والسياسيّة.
*رئيس منتدى الاقتصاديين العرب

