خلال السنوات العشرين الماضية تم اتخاذ القرارات المتعلقة بالبيئة والطاقة والمناخ خلف أبواب مغلقة، ومن دون مشاركة تذكر من الناس والذين سوف يكونون أكثر المتأثرين بنتائج تلك المفاوضات. لقد تأثر تشكيل السياسات بالاعتبارات التكنوقراطية والتي تجاهلت أولويات السكان العاديين أو كانت غير مهتمة بها، وكنتيجة لذلك فإنه عادة ما يتم التضحية بالهواء النظيف والطاقة المتجددة والمساحات الخضراء بسبب نظرية أن التشريعات الصديقة للبيئة تزيد النفقات وتزيد البيروقراطية للشركات، ما يعني إلحاق الضرر بالاقتصاد في نهاية المطاف.
إن الأخبار الطيبة تتمثل في نشوء نموذج جديد من المشاركة الشعبية، وخاصة في الدول النامية، مع مشاركة أصوات جديدة وأفكار جديدة في المناقشات القائمة. إن المواطنين حول العالم يطالبون حكوماتهم بالاستماع اليهم في ما يتعلق بالقضايا البيئية وأن تضع احتياجاتهم وأولوياتهم في المقدمة.
لقد اتسم الجدل القائم حول النشاط البيئي في الولايات المتحدة الأميركية وأوروبا لسنوات عدة بالتركيز على المبادئ المجردة والصراع السياسي، وإلى حد ما كان ذلك مفهوماً. لقد كانت المعارضة للنشاط البيئي - من صناعة الوقود الأحفوري والأحزاب السياسية وبعض أجزاء الصحافة- قوية للغاية، لكن النتيجة كانت عبارة عن نقاش بعيد جداً عن القضايا التي تهم المواطنين العاديين، وبدلاً من مناقشة كيف أن النقل العام غير الفعال والهواء الملوث يجعلان الحياة أسوأ لمليارات الناس، تركز الحديث على مقايضة تخفيض الكربون بحوافز اقتصادية ومسارات الانبعاثات والتصنيع في الصين.
لحسن الحظ فلقد تم جعل المناقشات مرة أخرى قريبة من فهم المواطن العادي، ففي خلال أقل من 35 سنة فإن نحو 66% من سكان العالم سوف يعيشون في المدن، علماً أن جزءًا كبيراً من هذا النمو الحضري سوف يحصل في الدول النامية، وخاصة في إفريقيا، علماً أنه في أميركا اللاتينية نحو 80% من الناس يعيشون فعلياً في مراكز حضرية.
بالنسبة إلى سكان المدن فإن البيئة يمكن أن تشكل أولوية وجودية، فلو استمر الجفاف في تهديد إمدادات المياه لساو باولو على سبيل المثال فإن أكبر مدينة في أميركا اللاتينية من حيث تعداد السكان سوف تكون معرضة للفشل الحضري، إن هذه الأزمة وغيرها من الأزمات المشابهة تمنح المواطنين الفرصة للسيطرة على الموقف وإيجاد حلول مبتكرة يمكن أن تلهم الآخرين.
عندما تسأل الحكومات الوطنية والمجالس البلدية الناس عن أولوياتهم وحاجاتهم فإن الجواب واضح. إن ما قامت به الحكومة التشيلية يعتبر سابقة في المنطقة وذلك عندما قامت وبشكل دقيق بتحديد أولويات المواطنين المتعلقة بالبيئة والمناخ، وطبقاً لاستطلاع للرأي أجرته الحكومة فإن تلوث الهواء هو الأولوية البيئية الأهم بالنسبة إلى التشيليين (33%) يليها النفايات (21%) والضجيج (11%).
ان الكوستاريكيين يعتقدون كذلك بأن التلوث الهوائي هو أهم أولوية بيئية (22%)، تليه النفايات (020%) والمياه (17%) طبقاً لاستطلاع أجراه برنامج الأمم المتحدة للتنمية وفي الصين فإن الحماية البيئية قد أصبحت بشكل متزايد من أهم مخاوف المواطنين، ومن الأدلة على ذلك الفيلم الذي أنتجه أحد الصحافيين على نفقته الخاصة والمتعلق بتلوث الهواء حيث اجتذب هذا الفيلم 200 مليون مشاهد في أسبوع واحد، وفي عالمنا اليوم فإن الناس يتوقعون من بلدانهم ومدنهم أن تمنحهم ما هو أكبر من النمو ومراكز التسوق.
لقد أظهر استطلاع أجراه بنك التنمية لأميركا أن 5000 مواطن في بوجوتا وبيونيس ايرس وليما ومكسيكو سيتي وساو باولو يريدون المزيد من الشفافية من الحكومة المحلية والمزيد من المشاركة في عملية صنع القرار ونوعية حياة أفضل. إن هذا الاستطلاع بالإضافة إلى الاستطلاعين من تشيلي وكوستاريكا تظهر أن المواطنين يدركون أن التغير المناخي سوف يؤثر فيهم وهم يريدون الحكومات أن تفعل المزيد في مجال حماية البيئة بدلاً من أن تقلل من عملها في هذا الخصوص.
وبينما نحن نطور فهماً أفضل لاحتياجات وأولويات الناس العاديين فإن أولئك الذين يتفاوضون للتوصل إلى اتفاقية عالمية في مؤتمر الأمم المتحدة للتغير المناخي في باريس في وقت لاحق من العام يجب أن يكونوا من الحكمة بحيث يضعوا ذلك بعين الاعتبار، فالقرارات المبهمة والأولويات التي لا تفسير لها من غير المرجح أن تحصل على دعم شعبي، ولهذا السبب فقط فإن من العوامل الحاسمة أن تقوم الحكومات بجعل مخاوف مواطنيها على قمة الأولويات.
إن ما قامت به الحكومة التشيلية يعتبر سابقة إيجابية في العالم النامي وذلك عن طريق إجراء مشاورات مكثفة في ما يتعلق بالتزامها الوطني الخاص بالمناخ لمؤتمر باريس، كما قامت المكسيك والبرازيل بإطلاق عمليات تشاور رسمية أيضاً، ومن الممكن أن تفعل بلدان أخرى في المنطقة الشيء نفسه.
إن السياسيين على المستوى المحلي والوطني عليهم الآن وبشكل متزايد تطبيق معايير أعلى من الحماية البيئية، إن حقبة جديدة من المشاركة الشعبية والتدقيق الشعبي قد بدأت، ما يخلق الفرص لعمل بيئي شامل والذي يعد بتحقيق أكثر مما يمكن أن تحققه النخبة المجتمعة خلف الأبواب المغلقة.
* هي المؤسسة والمديرة التنفيذية لنفيلا كما تقود مجموعة السكان كوستاريكا ليمبيا
