يتم ترتيب البنوك التجارية وفقاً لأصولها، والبنوك الاستثمارية وفقاً لمجموعة متنوعة من المقاييس، كحال الجامعات أيضاً ــ من نتائجها الأكاديمية إلى براعتها في الإدارة البيئية. وفي المملكة المتحدة، سوف تجد جدولاً يبين لك أين أنسب مكان للعيش إن كنت راغباً في الفوز باليانصيب الوطني البريطاني. (تتضاعف احتمالات فوزك تقريباً في شمال أيرلندا مقارنة بجنوب شرقها).

وعندما ننظر عن كثب، فسوف يتبين لنا أن أغلب هذه الجداول، على حد تعبير هنري كيسنجر، «خالية من المحتوى». فللحظة وجيزة مُشرِقة، كان رويال بنك أوف اسكتلندا على قمة الترتيب العالمي للبنوك التجارية، ونحن نعلم كيف انتهت القصة. ولكن هل يصدق هذا على مؤشر المراكز المالية العالمية، أم أنه يحتوي على تصورات قيمة للكيفية التي يتطور بها النظام المالي العالمي؟

الواقع أن عناوين الصحف الرئيسية التي صاحبت إطلاق أحدث تقارير مؤشر المراكز المالية العالمية كانت تركز على التغيير في مراتب القمة: فقد تخطت نيويورك ترتيب لندن، في حين احتفظت هونغ كونغ وسنغافورة بالترتيبين الثالث والرابع على التوالي. ولكن هل يُعَد هذا تحولاً مهماً؟

كانت أغلب التكهنات تتمركز حول الضرر الأخير الذي لحق بسمعة لندن بسبب الفضيحة التي أحاطت بتلاعب البنوك بمؤشر ليبور (أسعار الفائدة بين بنوك لندن). وحتى إذا كانت بعض المكائد تدبر في مدن أخرى، فلا مفر من حقيقة مفادها أن مؤشر ليبور يعبر عن أسعار الفائدة بين بنوك لندن. وعلاوة على ذلك فإن لندن أكبر مركز لتداول العملات الأجنبية، الذي أصبح محل التركيز الجديد لاهتمام الهيئات التنظيمية. ورغم أن برونو إكسيل كان فرنسياً يعمل لصالح بنك جيه بي مورجان تشيس الأميركي، فقد أصبح معروفاً على المستوى العالمي بوصفه «حوت لندن».

ولكن النتائج التفصيلية لمؤشر المراكز المالية العالمية لا يتحمل هذا التفسير. ذلك أن العوامل التي تشكل سمعة لندن «فوق المتوسط بشكل راسخ ولم تشهد تغييراً كبيراً على مدى النسخ الخمس الماضية». ويبدو أن انحدار لندن الصغير كان راجعاً إلى درجات سلبية في ما يتصل بعوامل عامة مثل «بيئة الأعمال» و«البنية الأساسية».

وتُعَد قطارات مترو أنفاق لندن المكتظة وازدحام مطار هيثرو من الأمور المؤثرة، وإن كان من الصعب أن نفهم السبب وراء فوز نيويورك استناداً إلى هذه المقاييس. الواقع أن استخدام مترو الأنفاق في نيويورك يجلب غالباً مفاجآت غير سارة، في حين لا يمكننا أن نعتبر مطار جيه إف كيه المطار المفضل بين المسافرين (وحتى الآن لا يوجد خط سكك حديدية سريع متصل به).

ومع هذا فإن مثل هذه التحولات البسيطة على قمة الجدول لا تشكل القصة الحقيقية. فمن منظور يمتد عشر سنوات، كانت المكاسب الكبرى لهونغ كونغ وسنغافورة.

وكان من المألوف ذات يوم أن نجد من يزعم أن المعاناة سوف تحل على هونغ كونغ وسنغافورة عندما تنفتح الصين على العالم. فبمجرد تمكن الصين من توفيق أوضاعها، يصبح الدور الذي تلعبه هاتان المدينتان في الوساطة المالية في المنطقة مهمشاً بجانب شنغهاي وشنتشن وغيرهما من المراكز الجديدة. وربما يحدث هذا ذات يوم، ولكنه لم يحدث حتى الآن.

فقد لعبت هونغ كونغ وسنغافورة بذكاء. والواقع أن التركيبة التي تتألف من السوق الآسيوية ذات الاتصالات القوية بالصين ونظام القانون الإنجليزي وحقوق الملكية تستمر في توفير ميزة تنافسية قوية. ويصدق هذا بشكل خاص في مجال إدارة الصناديق. فربما تجمع الشركات الصينية رأس المال بشكل متزايد في شنغهاي، ولكن الصينيين الأثرياء الذين يمتلكون أموالاً يمكن استثمارها يفضلون الاحتفاظ بها في مراكز مالية آمنة ولا تتأثر بالسياسة، وفي أوروبا نرى نمطاً مختلفاً. فعلى مدى خمسة عشر تقريراً متوالياً، ظل ترتيب لندن ودرجات تقييمها ثابتاً بشكل عام، في حين نجحت زيوريخ وجنيف وفرانكفورت ولوكسمبورغ تدريجياً في تضييق الفجوة معها ــ وإن كانت الفجوة لا تزال واسعة.

ولا شك أن فرانكفورت فازت بالمسابقة مع باريس على لقب المدينة صاحبة المركز المالي الأكثر أهمية في منطقة اليورو. وكان الألمان أذكياء عندما أصروا على وضع البنك المركزي الأوروبي هناك. فنظراً لوظيفة البنك المركزي الأوروبي الجديدة كمشرف على النظام المصرفي في منطقة اليورو، تستطيع فرانكفورت أن تعزز انتصارها. فسوف يكون لزاماً على بنك في الاتحاد الأوروبي أن يمتثل لمشرفة على نهر الماين، حتى وإن كان ذلك المشرف امرأة فرنسية، دانييل نوي.

وفي الولايات المتحدة، تستمر مدن مثل بوسطن وسان فرانسيسكو وواشنطن العاصمة في تعزيز مواقعها كمراكز مهمة في مجال إدارة الأصول، وفي حالة الأخيرة للتنظيم. فبفضل تشريع دود-فرانك للإصلاح المالي لعام 2010، حصل مجلس إدارة الاحتياطي الفيدرالي على دور تنظيمي أكبر كثيراً من دوره قبل الأزمة. ولكن ما لم يحاول عمدة مدينة نيويورك الشعبوي الجديد بل دي بلاسيو طرد البنوك من المدينة على طريقة الغرب الأميركي فلا يبدو من المرجح أن تتمكن هذه المدن من سرقة تاج وال ستريت في أي وقت قريب.

 

* أستاذ في معهد العلوم السياسية في باريس حالياً