ومن خلال إجراء انتخابات تنافسية منتظمة، أنشأ لي بفعالية آلية للانضباط الذاتي والمساءلة ــ فأعطى الناخبين في سنغافورة سلطة اتخاذ القرار حول ما إذا كان حزب العمل الشعبي يستحق البقاء في السلطة. وقد ساعدت آلية الإنفاذ هذه في الحفاظ على الانضباط داخل دوائر النخبة الحاكمة وتضفي نوعاً من المصداقية على وعودها.
ولكن من المؤسف أن بقية العالم لم تنسب الفضل للي كوان يو قَط في صياغة النظام الهجين بين السلطوية والديمقراطية الذي أدى إلى تحسن هائل في رفاهة مواطني بلاده، من دون إخضاعهم للوحشية والقمع على النحو الذي نشهده في العديد من البلدان المجاورة لسنغافورة.
من الحكمة أن تتبنى الصين هذا النموذج، من خلال تقديم درجة كبيرة من الديمقراطية وتعزيز الالتزام بسيادة القانون. والواقع أن مواطني الصين الذين يبلغ عددهم 1.4 مليار نسمة من الممكن أن يستفيدوا كثيراً إذا تبنى حكامهم المؤسسات والممارسات الديمقراطية على غرار سنغافورة. وهذا يعني في أقل تقدير إضفاء الشرعية على المعارضة السياسية المنظمة، والسماح بإجراء انتخابات تنافسية على فترات منتظمة، وإنشاء جهاز قضائي مستقل.
إن محاكاة لي من شأنها أن تسمح للصين بتحقيق تقدم هائل والتحول إلى مجتمع مفتوح أكثر إنسانية وينتظره مستقبل أكثر إشراقاً. ولكن من المحزن أن فرصة حدوث أمر كهذا تكاد تكون منعدمة، على الأقل في أي وقت قريب. فعندما يستشهد قادة الصين بنموذج سنغافورة فإن ما يدور في أذهانهم لا يخرج عن نطاق إدامة سلطتهم.
لعلنا نستطيع أن نقول إن لي كان متشككاً في فوائد الديمقراطية، ولكنه لم يكن معادياً لها بشكل عميق؛ فقد أدرك نفعها. وعلى النقيض من هذا، ينظر قادة الصين إلى الديمقراطية باعتبارها تهديداً إيديولوجيا لوجودهم ولابد من تحييدها بأي ثمن.
من المؤسف أن لي كوان يو لم يعد معنا. وكان المرء ليود أن يتصوره وهو يشرح لقادة الصين ما الذي كان مبدعاً حقاً في نموذج سنغافورة.
* أستاذ الدراسات الحكومية في كليرمونت ماكينا كوليدج