قبل بضع سنوات قليلة، أعلن خبراء الاقتصاد من جميع المشارب بثقة أن أزمة الكساد الأعظم لن تتكرر أبدا. وعلى نحو أو آخر، كانوا محقين. فبعد اندلاع الأزمة المالية في عام 2008، حظينا بالركود العظيم بدلاً من ذلك.

لقد أكَّد خبراء الاقتصاد لرؤسائهم أن التعافي سيأتي سريعا. وقد تحقق بعض الانتعاش بالفعل: ولكنه توقف في عام 2010. ومن ناحية أخرى، كانت الحكومات تدير عجزاً كبيرا ــ إرث الانحدار الاقتصادي ــ والذي كان من المفترض أن يعمل النمو المتجدد على تقليصه.

اعتماداً على النظرية التي يتبناها المرء في التعامل مع الاقتصاد الكلي، يمكن تقديم أي من الخيارين بوصفه من السياسات الداعمة للنمو. فالأول قد يدفع الاقتصاد إلى التوسع، لأن الحكومات كانت تزيد الإنفاق العام؛ والثاني لأن الحكومات كانت تخفض الإنفاق العام. تقترح نظريات جون ماينارد كينز الخيار الأول؛ وتثق الحكومات بالإجماع في الثاني.

والعواقب المترتبة على هذا الاختيار واضحة. فمن المتفق عليه إلى حد كبير الآن أن تشديد السياسة المالية كلف اقتصاد الدول النامية من خمس إلى عشر نقاط مئوية من نمو الناتج المحلي الإجمالي منذ عام 2010. وكانت خسارة كل هذا الناتج والدخل دائمة. ولأن التقشف المالي خنق النمو الاقتصادي، فقد أصبحت مهمة خفض عجز الموازنة والدين الوطني كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي أكثر صعوبة. فقد تبين أن خفض الإنفاق العام لم يكن نفس الشيء كخفض العجز، لأنه خفض النمو الاقتصادي في نفس الوقت، وكان من الواجب أن تنتهي الحجة عند هذا الحد، ولكنها لم تنته.

ووفقاً لهذه الحجة فإن العلاج الكينزي تجاهل تأثير السياسة المالية على التوقعات. فإذا صدَّق الرأي العام أن خفض العجز هو التصرف السليم، فإن السماح للعجز بالنمو من شأنه أن يبطل كل تأثيراته التحفيزية المأمولة. فإذا توقعت الأسر والشركات أن الضرائب لا بد أن تترفع لكي «تغطي» الإنفاق الإضافي، فإنها سوف تزيد من مدخراتها. أما أسواق السندات فقد يدفعها الخوف من العجز عن سداد الديون السيادية إلى تقاضي أسعار فائدة عقابية على اقتراض الحكومات.

وهنا كانت النقطة الفاصلة: فمن خلال إلزام أنفسهم بتشديد السياسة المالية، أعطى وزراء المالية أنفسهم المجال لتخفيف السياسة المالية بعض الشيء. ومن خلال إعلان الفضيلة المالية تمكنوا من ممارسة الرذيلة المالية. وكان بوسعهم خلق وهم مالي من خلال تبني مستوى من الخفض أقل مما وعدوا به. وقد فعل أغلب وزراء المالية هذا على وجه التحديد.

وهذا جزء من الفوضى التي أوقع الاقتصاد الكلي نفسه فيها. فبمجرد إدخال المعتقدات والتوقعات على الاقتصاد، كما هو معقول بكل تأكيد، تصبح نتائج السياسة المالية غير محددة.

كان رجل الاقتصاد بول كروغمان الحائز على جائزة نوبل يصب سخريته على ما يسميه «جنية الثقة»، أو ذلك الزعم بأن السياسة المالية لا بد أن تحظى بدعم أسواق السندات. ولكن إثبات أن السياسة الفعلية جعلت الأمور أكثر سوءاً لا يعني أن السياسة الأفضل كانت في واقع الأمر متاحة. فنجاح السياسة الصحيحة قد يعتمد على توقعات عامة الناس لتأثيراتها. والسؤال الذي يظل بلا إجابة هو لماذا ينبغي لعامة الناس أن يتجهوا إلى التوقعات الخاطئة.

وإذا كانت السياسة المالية في حالة من الفوضى، فمن المؤكد أن هذه حال السياسة النقدية أيضا. فقد حاولت البنوك المركزية تجنب جنية الثقة من خلال طباعة النقود ــ فنيا، من خلال شراء السندات الحكومية في الأسواق الثانوية. ومن المتوقع أن تنتشر الأموال الإضافية عبر الاقتصاد، فتعمل على تسريع النشاط. وقد بدأ البنك المركزي الأوروبي للتو برنامجا لشراء السندات بقيمة 1.1 تريليون يورو (1.17 تريليون دولار أميركي) بهدف تجاوز الفيتو الألماني ضد التوسع المالي.

ولكن تأثيرات ما يسمى التيسير الكمي تعتمد أيضاً على التوقعات. فإذا كان منح الشركات نقوداً إضافية يجعلها أكثر ثقة، فهذا يعني أنها سوف تزيد من إنفاقها. وإذا لم تثق في السياسة، فإنها سوف تتجه إلى تكديس النقود.

كانت نتائج التيسير الكمي في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة غير قاطعة. صحيح أن الحكومات تستطيع أن تحصل على أموالها بتكاليف أرخص مع انخفاض العائدات. ولكن البنوك لم تقرض الأموال التي أصبحت متاحة لها، ويرجع هذا جزئياً إلى استخدامها هذه الأموال لسداد ديونها الخاصة، وجزئياً بسبب انخفاض الطلب على القروض.

كان تأثير التيسير الكمي الرئيسي على أسعار الأصول ــ وفي الأساس الأصول المالية. ولكن حصول الأثرياء على ثروات أكبر لا ينتج بالضرورة الكثير من الإنفاق الإضافي. فهو يزيد من التفاوت بين الناس ويهدد بنشوء فقاعات الأصول، وهو ما قد يؤدي إلى انهيار مالي جديد.

لقد دخلنا حقبة ما بعد الأزمة إذن من دون أي رأي مستقر على السياسة الكلية الصحيحة في التعامل مع التعافي أو منع المزيد من الانهيارات. وكانت الآمال الكبرى معلقة على التنظيم المالي الأفضل وقدرته على وقف خلق الائتمان المفرط.

يناقش خبراء الاقتصاد ما إذا كانت اقتصادات السوق مستقرة بطبيعتها. وبوصفي من أتباع جون ماينارد كينز، فإني أعتقد جازماً أن اقتصادات السوق تحتاج إلى سياسة تضمن لها الاستقرار. ولكن ينبغي لأتباع كينز أن يتعاملوا مع حقيقة غير مريحة مفادها أن نجاح سياسات تثبيت الاستقرار ربما يعتمد على تحلي مجتمع الأعمال بتوقعات كينزية. أي أنهم يحتاجون إلى وقوف جنية الثقة بجانبهم.

 

* عضو مجلس اللوردات البريطاني، وأستاذ الاقتصاد السياسي الفخري في جامعة وارويك.