أظهرت تجربة البلدان المتقدمة مع الأزمة المالية العالمية فإن حتى أكثر الأجهزة التنظيمية والإشرافية تطوراً تظل بعيدة عن كونها مأمونة تماما. وبالتالي فإن مطالبة البلدان النامية ببناء ذلك النوع من المؤسسات الكفيلة بجعل تدفقات رأس المال آمنة لا تضع العربة قبل الحصان فحسب؛ بل إنها أيضاً مسعى عقيم. والحذر يستلزم نهجاً أكثر واقعية، النهج الذي يدرك الدور الدائم الذي تلعبه ضوابط رأس المال جنباً إلى جنب مع غيرها من الأدوات التنظيمية والاحترازية.
الواقع أن تدفقات رأس المال في الاقتصادات التي تعاني من انخفاض الطلب على الاستثمار تعمل على تغذية الاستهلاك وليس تراكم رأس المال. وهي تغذي أيضاً ارتفاع أسعار الصرف، وهو ما يؤدي إلى تفاقم نقص الاستثمار. ويمتد الضرر إلى ربحية الصناعات القابلة للتداول ــ وهي الأكثر ميلاً إلى المعاناة من المشاكل المتعلقة بالقابلية للتخصيص ــ كما يزداد الطلب على الاستثمار هبوطاً. وفي هذه الاقتصادات، قد تؤدي تدفقات رأس المال إلى تأخير النمو وليس تحفيزه.
وقد دفعت هذه المخاوف الاقتصادات الناشئة إلى التجريب مع مجموعة متنوعة من ضوابط رأس المال. ومن حيث المبدأ، تستطيع اقتصادات السوق الحدودية أن تتعلم الكثير من هذه التجربة.
إن ضوابط رأس المال في حد ذاتها ليست دواءً لكل داء، وهي كثيراً ما تخلق مشاكل أسوأ من تلك التي قد تحلها ــ مثل الفساد أو تأخر الإصلاحات اللازمة. ولكن هذا لا يختلف عن أي منطقة أخرى من مناطق العمل الحكومي. فنحن نعيش في ثاني أفضل عالم حيث التحرك السياسي يكاد يكون جزئياً دائما (وفعّالاً بشكل جزئي)، والإصلاحات الحسنة النوايا في إحدى المناطق قد تأتي بنتائج عكسية في وجود تشوهات في أماكن أخرى من النظام.
وفي هذا العالم، يكون التعامل مع ضوابط رأس المال باعتبارها الملاذ الأخير، دائماً وفي كل مكان، بلا منطق يُذكَر؛ بل إنه لا يعمل إلا على تحويل العولمة المالية إلى صَنَم يُعبَد. إن العالم يحتاج إلى نهج واقعي راسخ يتعامل مع كل حالة على حِدة ويدرك أن ضوابط رأس المال تستحق في بعض الأحيان مكاناً بارزاً.
* أستاذ العلوم الاجتماعية في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بنيوجيرسي