العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    التحدي الديمغرافي في الاقتصادات الناشئة

    • الصورة :
    • الصورة :
    • الصورة :
    صورة

    كثيراً ما يستشهَد بالشيخوخة السكانية باعتبارها تحدياً اقتصادياً رئيساً للعالم المتقدم، ولكن تقريراً جديداً أصدره معهد ماكينزي العالمي، يشير إلى تركيبات سكانية متغيرة تشكل تهديداً أعظم لتوقعات النمو للعديد من الاقتصادات الناشئة.

    على مدى السنوات الخمسين الماضية، كان النمو السكاني بنسبة 1.6% على مستوى العالم، سبباً في تغذية قوى عمل متدفقة وزيادة سريعة في الناتج المحلي الإجمالي في العديد من الاقتصادات الناشئة. وارتفعت معدلات تشغيل العمالة إلى أكثر من الضعف في الصين وجنوب إفريقيا، وتضاعفت إلى ثلاثة أمثالها على الأقل في البرازيل والهند وإندونيسيا والمكسيك ونيجيريا.

    ولكن مع تباطؤ النمو السكاني، فمن المتوقع أن ينخفض متوسط نمو العمالة السنوي من 1.9% إلى 0.4%. وبالأرقام المطلقة، سوف يتجاوز الانحدار نظيره في الاقتصادات المتقدمة، حيث من المتوقع أن ينخفض نمو العمالة السنوي من 0.9% إلى 0.1% في السنوات المقبلة. وفي أغلب الاقتصادات، من المتوقع أن يبلغ تشغيل العمالة ذروته في غضون نصف القرن المقبل؛ وفي الصين قد تتقلص قوة العمل بنحو 20% خلال هذه الفترة.

    بطبيعة الحال، هناك استثناءات لهذا الاتجاه. فمن المتوقع أن يستمر تشغيل العمالة في الارتفاع في إندونيسيا وجنوب إفريقيا (ولو بمعدلات أبطأ)، ومن المتوقع أن تتضاعف قوة العمل في نيجيريا إلى ثلاثة أمثالها على مدى الفترة من 2014 إلى 2064، وسوف يشهد العديد من الاقتصادات الأخرى في منطقة جنوب الصحراء الكبرى في إفريقيا، مستويات نمو مماثلة.

    ولكن في الإجمال، سوف تضمحل الرياح الديمغرافية المواتية في الاقتصادات، مع عواقب وخيمة على نمو الناتج المحلي الإجمالي. ومع غياب أي تغيير آخر في الاتجاهات الحالية، فإن معدلات نمو الناتج المحلي الإجمالي في الاقتصادات الناشئة سوف تهبط بنحو الثلث، من 4.8% إلى 3.1% سنوياً، بحلول عام 2064. والمشكلة الأكبر هي أن الحصة المتضائلة من السكان في سن العمل من المنتظر أن تتسبب في انخفاض نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي بما يتجاوز 30% في بعض البلدان، وأبرزها البرازيل والمكسيك والمملكة العربية السعودية.

    والخبر السار هنا هو أن الاقتصادات الناشئة توجد تحت تصرفها وسيلة قوية للتعويض عن هذه الاتجاهات: نمو الإنتاجية. من المؤكد أن نمو الإنتاجية السنوي في الاقتصادات الناشئة، لا بد أن يتسارع بنحو 57%، من 2.8% إلى 4.4%، حتى يتمكن من التعويض بالكامل عن التحول الديمغرافي. ولكن حتى إذا لم يكن من الممكن تحقيق هذا الهدف الطموح في كل مكان، فإن الاقتصادات الناشئة لديها مجال واسع للحاق بركب نمو الإنتاجية. فعلى مدى السنوات الخمسين الماضية، لم تنحسر الفجوة في الإنتاجية بين الاقتصادات الناشئة والمتقدمة إلا بالكاد؛ بل إنها بالأرقام المطلقة اتسعت إلى أكثر من الضعف.

    الواقع أنه على الرغم من تسارع متوسط نمو الإنتاجية في الاقتصادات الناشئة طيلة العقود الماضية منذ سبعينات القرن العشرين، فإن هذا يعكس إلى حد كبير نمو الإنتاجية السريع في دولة واحدة فقط: الصين، حيث كان المتوسط السنوي 5.7% منذ عام 1964.

    فبالاستعانة بنهج شامل، بوسع 11 من الاقتصادات الناشئة أن تعزز متوسط نمو إنتاجيتها السنوي بما قد يصل إلى 6% بحلول عام 2025. ومن الممكن أن يتحقق 80% من هذا النمو من خلال تبني الأساليب التي أثبتت نجاحها في أماكن أخرى، مع تغطية الإبداعات التكنولوجية والتشغيلية والتجارية الجديدة للبقية.

    إن فرص اللحاق بمستويات الإنتاجية في البلدان المتقدمة وفيرة في مختلف القطاعات الرئيسة. ففي قطاع التجزئة، تستطيع الاقتصادات الناشئة أن تضاعف إنتاجيتها بحلول عام 2025، من خلال تبني صيغ المتاجر الحديثة، مثل المتاجر ومراكز التسوق الكبرى، وهي أكثر إنتاجية من المتاجر الصغيرة التقليدية بنحو ثلاثة أمثال على الأقل. ففي المكسيك، قد يحقق تعزيز حصة متاجر التجزئة الحديثة بنسبة 10% زيادة بنحو 25% في إجمالي إنتاجية هذا القطاع.

    وعلى نحو مماثل، إذا أدمجت صناعة السيارات الضخمة في الصين عملياتها في عدد أقل من المصانع الأكبر التي تعمل بالقرب من كامل قدرتها الإنتاجية، فإن إنتاجية هذا القطاع ــ والتي هي أدنى كثيراً من المتوسط في البلدان المتقدمة ــ قد ترتفع بنسبة تصل إلى 50%.

    وبوسع العديد من البلدان أن تعمل على تحسين كفاءة سلاسل القيمة الغذائية بشكل كبير، بالاستعانة بالميكنة الزراعية على سبيل المثال، وهناك أيضاً مجال هائل للإبداع المعزز للإنتاجية، وخاصة في مجال الرعاية الصحية، وهو القطاع الذي بدأ يتطور للتو في أغلب البلدان الناشئة.

    فبفضل إدخال التكنولوجيا الرقمية على السجلات الصحية، تمكن مستوصف بوروجرام الريفي في الهند من مضاعفة عدد التطعيمات التي يقدمها في غضون أربع سنوات فقط.

     وعلى نحو مماثل سمحت التكنولوجيا الرقمية للموظفين في مركز موزوريوت الصحي الريفي في غرب كينيا بضغط الوقت الذي ينفقونه في التفاعل مع غيرهم من الموظفين بشأن مهام إدارية بنحو الثلثين تقريباً، ومضاعفة وقت تسجيل المرضى.

    ومن حيث الإبداعات التشغيلية، هناك مثال نظام رعاية العيون أرافيند في الهند، والذي أصبح أكبر مقدم لخدمة رعاية العيون على مستوى العالم، من خلال تطبيق مبادئ الهندسة الصناعية على سير العمل. ويستطيع مركز أرافيند أن ينفذ ثلثي عدد العمليات التي تديرها خدمة الصحة الوطنية في المملكة المتحدة بالكامل وبسدس التكاليف، وبمعدل عدوى أقل.

    ومن الممكن أن تلعب الحكومات دوراً مهماً في تعزيز مثل هذه الإبداعات. فبفضل تحرير الزراعة وتشجيع البحث والتطوير في البرازيل تمكنت مؤسسة البحوث الزراعية البرازيلية من تحقيق الريادة في أكثر من تسعة آلاف مشروع تكنولوجي، بما في ذلك تصميم سلالة استوائية من فول الصويا قادرة على الازدهار في مناخ البرازيل.

    إن عصر نمو الناتج المحلي الإجمالي «السهل» المدفوع بجيش هائل من العمال الشباب يقترب من نهايته. ويتعين على الاقتصادات الناشئة أن تواجه تحديات النمو الناتجة عن هذا بشكل مباشر، من خلال ملاحقة التغييرات الجذرية في السياسات، والحوافز، والممارسات الراسخة، لتعزيز الإنتاجية. وإدراك هذه الحتمية هو الخطوة الأولى. والآن لابد أن يبدأ العمل الشاق.

     

    * رئيس قسم تطوير السياسة الاقتصادية في مؤسسة بروكنغز

    *شريكة في معهد ماكينزي العالمي في سان فرانسيسكو

    طباعة Email