العد التنازلي لإكسبو 2020 دبي

    بوتين ومشكلة الغاز

    يركز مراقبو روسيا بحق على وقف إطلاق النار الهش الأخير في أوكرانيا، في محاولة لتمييز نوايا الرئيس فلاديمير بوتين هناك. ولكن من الحكمة ألا يُغفِلوا صراعاً آخر تتكشف أبعاده الآن، وهو الصراع الذي قد يخلف عواقب وخيمة بعيدة الأمد على أوروبا، وقدرة بوتين على ممارسة الضغوط على القارة.

    في شهر ديسمبر الماضي، وقعت شركة النفط الروسية العملاقة غازبروم مع شركة تركية لخطوط الأنابيب، مذكرة تفاهم لتمديد خط أنابيب من روسيا إلى تركيا تحت البحر الأسود.

    ويأتي هذا «المجرى التركي» الجديد كبديل «لمجرى الجنوب» من خط أنابيب البحر الأسود من روسيا إلى بلغاريا، وهو المشروع الذي هجره الكرملين في ديسمبر، رداً على العقوبات التي فرضها الاتحاد الأوروبي بعد غزو روسيا لأوكرانيا وضم شبه جزيرة القرم.

    لقد فشل مشروع مجرى الجنوب في التوافق مع توجيهات الاتحاد الأوروبي بشأن المنافسة والطاقة، ومن المرجح أن يؤدي الإعلان عن خط أنابيب المجري التركي الذي تبلغ قيمته 12 مليار دولار، إلى تعزيز سمعة روسيا بوصفها شريكاً غير جدير بالثقة، وبالتالي تسريع وتيرة بحث أوروبا عن مصدر بديل للتوريد.

    والواقع أن مخاطرة بوتين بخسارة السوق الأكثر ربحية، يستعرض تجاهلاً انتحارياً لمصلحة الاقتصاد الروسي، بلا أي سبب ظاهر غير ترسيخ العداوة مع أوكرانيا.

    ويعتزم الكرملين استبعاد أوكرانيا من نظام تسليم الغاز الذي ظل قائماً منذ ثمانينات القرن العشرين، وتوجيه الإمدادات بدلاً من ذلك عبر شبكة جديدة وغير مجربة إلى سوق قد لا يكون لها وجود حتى. ففي الشهر الماضي، أعلنت غازبروم عزمها وقف شحناتها عبر أوكرانيا عندما تنتهي العقود مع شركة خطوط أنابيب الغاز الأوكرانية نفتوغاز في عام 2019.

    وسوف يتم تسليم الغاز من خط الأنابيب التركي إلى حدود اليونان على أساس غير قابل للتفاوض. وتتوقع شركة غازبروم الحصول على الترخيص بتنفيذ التصميم وأعمال المسح «قريباً»، مع وصول أول شحنة إلى تركيا في عام 2017.

    إن سلوك غازبروم الشاذ ليس بالمسألة الهينة بالنسبة إلى أوروبا. ذلك أن القارة تعتمد على روسيا في تدبير نحو 30% من احتياجاتها من الغاز الطبيعي، والتي يتم نقل 80% منها عبر أوكرانيا. وكانت القارة قد نُبِذَت في العراء من قبل.

    ففي يناير 2009، أمرت شركة غازبروم بخفض الشحنات المارة عبر أوكرانيا، الأمر الذي أدى إلى نقص حاد في ستة بلدان في شرق وجنوب شرق أوروبا، وفي أواخر عام 2014، قطعت روسيا الغاز عن أوكرانيا تماماً، ومرة أخرى أشارت إلى استعدادها لاستخدام إمدادات الغاز كسلاح من أسلحة السياسة الخارجية. وهرع الاتحاد الأوروبي إلى التوسط للتوصل إلى تسوية يؤكد البعض أنها كانت ضد مصالح أوكرانيا.

    ولكن على عكس ما يبدو أنه تصور بوتين، من غير المرجح أن تكون أوروبا أو أوكرانيا الخاسر الأكبر في الجهود التي تبذلها روسيا لإعادة توجيه صادراتها من الغاز.

    إن روسيا، بإعادة توجيه صادراتها، تطالب أوروبا في واقع الأمر بإنفاق الملايين من اليورو على مشاريع جديدة للبنية الأساسية لكي تحل محل خط أنابيب صالح تماماً، لمجرد تبرير رغبة بوتن في إحداث متاعب في أوكرانيا.

    في يناير، نحى الرئيس التنفيذي لشركة غازبروم أليكسي ميلر بغطرسة المخاوف الأوروبية جانباً، قائلاً: «لقد أبلغنا شركاءنا الأوروبيين، والآن يعود القرار إليهم لوضع البنية الأساسية اللازمة للبدء من الحدود التركية اليونانية».

    وكان رد الفعل الأولي في أوروبا أن بوتين إما أنه «يهوش» أو فقد عقله. وعلى حد تعبير ماروس سيفتوفيتش، نائب رئيس المفوضية الأوروبية لشؤون اتحاد الطاقة: «إن هذا القرار غير منطقي من الناحية الاقتصادية، فنحن عملاء جيدون، ونحن ندفع أموالاً طائلة بلا أي تأخير وبالعملة الصعبة. لذا، أعتقد أننا نستحق المعاملة وفقاً لذلك».

    إن سياسات بوتين الشاذة والمدمرة اقتصادياً تتسبب في تبديد آخر بقايا ما كان ذات يوم يشكل احتكاراً لسوق الغاز الأوروبية من قِبَل غازبروم. ومن الواضح أن أوروبا، إذا كانت مضطرة إلى إنفاق المليارات على خطوط أنابيب جديدة، فمن الأفضل لها أن تفعل ذلك كجزء من محاولة لتنويع مصادرها من الغاز الطبيعي، وليس تعميق اعتمادها على روسيا.

    والذكريات طويلة، وخاصة عندما يتعلق الأمر بمواسم شتوية شديدة البرودة ومساكن بلا تدفئة ومصانع مغلقة.

    عندما سُئِل أحد كبار مستشاري التخطيط في عهد جوزيف ستالين لماذا كان على استعداد للدفاع عن سلسلة من المقترحات السخيفة، أجاب قائلاً: «كنت أفضل الوقوف في صف خطط غير واقعية على الجلوس في السجن لمناصرة خطط واقعية». وبوسع المرء الآن أن يتخيل أن القائمين على شركة غازبروم يفكرون على المنوال نفسه.

    إذا كان الأمر كذلك، فينبغي لهم أن يشرعوا في التفكير بشكل مختلف. ذلك أن روسيا لا تستطيع أن تتحمل المزيد من الآلام والمعاناة الاقتصادية. ولكن هذا هو كل ما ستحصل عليه ما لم تكن الغَلَبة للعقول الرزينة.

     

    * زميل البحوث لدى مؤسسة هوفر، وأستاذ باحث لدى المعهد الألماني للبحوث الاقتصادية في برلين، وأستاذ في جامعة هيوستن

    طباعة Email