بعد بضع سنوات من انتهاء الحرب العالمية الثانية، عندما تم التصديق على معاهدة شمال الأطلسي وترسخت علاقتنا مع أوروبا، قال الرئيس الأميركي هاري ترومان ببساطة: «كلما تمكنت دول المجتمع الأطلسي من العمل معاً بشكل أوثق من أجل السلام، كان ذلك أفضل لكل الناس في كل مكان»..

وقد أثبتت العقود التي مرت منذ ذلك الوقت أنه كان على حق. ومع تزايد العلاقة عبر الأطلسي قوة وتوسعا، تنامت الديمقراطية، والازدهار، والاستقرار أيضاً في أوروبا، والولايات المتحدة، وفي مختلف أنحاء العالم.

ولكن برغم أن العلاقة عبر الأطلسية اليوم لا تقل قوة وأهمية عما كانت عليه في أي وقت مضى، فليس هناك من شك في أننا نعيش لحظة حاسمة لشركائنا. ونحن نواجه اختبارات متعددة، والواقع أن اثنين من هذه الاختبارات يستحقان الاهتمام بشكل خاص، لأنهما في حد ذاتهما يمثلان اختباراً للقانون الدولي، والآليات المتعددة الأطراف، والنظام العالمي الذي أنفقنا السنوات السعبين الماضية في العمل على بنائه وصيانته.

من الواضح أن الاختبار الأول هو أوكرانيا، حيث عرضت روسيا المشهد الأمني في شرق ووسط أوروبا للخطر، أولاً من خلال احتلالها غير المشروع لشبه جزيرة القرم والآن عبر جهودها العلنية والوقحة لزعزعة الاستقرار في شرق أوكرانيا..

وقد أعادني هذا التحدي مؤخراً إلى كييف للقاء الرئيس بترو بورشينكو، ورئيس الوزراء أرسيني ياتسينيوك، ووزير الخارجية بافلوف كليمكين، في حين قامت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل والرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند بزيارة كييف ثم موسكو في إطار المساعي الرامية إلى تفعيل خطة لمنع تصعيد الموقف هناك. ونحن نتفق جميعاً على أن القوة العسكرية لن تنهي هذا التحدي ــ بل إن الدبلوماسية هي وحدها الكفيلة بإنهائه.

ولكن كلما طال أمد هذا الموقف، أصبح العالم بلا خيار سوى رفع التكاليف التي تتكبدها روسيا ووكلاؤها. وسوف تقف الولايات المتحدة وفرنسا وألمانيا وحلفاؤنا وشركاؤنا صفاً واحداً في دعم أوكرانيا وفي الدفاع عن المبدأ الأساسي المتمثل في عدم جواز تغيير الحدود الدولية بالقوة، سواء في أوروبا أو أي مكان آخر. ولا يوجد انقسام بيننا على الإطلاق بشأن هذه القناعة الأساسية.

يتلخص الاختبار الرئيسي الثاني في صعود التطرف العنيف. والواقع أن مقطع الفيديو الجديد الذي نشره تنظيم ( داعش ) في العراق والشام والذي يظهر التضحية الوحشية بالطيار الأردني الأسير يمثل انحطاطاً جديداً إلى مستوى غير مسبوق من الخسة والوضاعة. وفي الأسبوع الماضي أذاعت الأمم المتحدة خبراً كان كثيرون قد علموا به بالفعل:

وهو أن هذه الجماعة الشريرة البغيضة تصلب الأطفال، وتدفنهم أحياء، وتستخدم الشباب المعوقين ذهنياً كمفجرين انتحاريين. إن العالم لا يستطيع أن يضعف، ولن يضعف، في مواجهة هذا التطرف أينما كان، سواء في منطقة الساحل، أو نيجيريا، أو العراق، أو سوريا. واليوم بلغ عدد أعضاء التحالف الدولي الذي يقاتل تنظيم ( داعش ) أكثر من ستين عضواً نشطا. ومنذ شهر سبتمبر، استعدنا 700 كيلومتر مربع من الأرض.

كما حرمنا الجماعة من استخدام مائتين من منشآت النفط والغاز ــ والعائدات التي تدرها. كما نجحنا في تعطيل هيكل التنظيم القيادي، وتقويض آلته الدعائية، وقتل نصف قياداته العليا، وتقليص تمويله..

وتدمير شبكات إمداده، وتشتيت أفراده. ولنتأمل هنا حالة مدينة كوباني (عين العرب) الواقعة على الحدود السورية التركية، والتي كانت مهددة بالإبادة بعد استيلاء ( داعش ) في العراق والشام على أكثر من 300 قرية كردية قريبة.

لكن هزيمة تنظيم ( داعش ) هي مجرد بداية. فالكفاح ضد المتطرفين العنيفين لن يُحسَم على أرض المعركة وحدها، بل في الفصول الدراسية، وأماكن العمل، ودور العبادة، والمراكز المجتمعية، وزوايا الشوارع الحضرية، والقاعات الحكومية. وسوف يحسم تبعاً لمدى نجاح جهودنا لوقف تجنيد الإرهابيين؛ ومعالجة التعصب، واليأس الاقتصادي، والإقصاء، وكلها عوامل تساعد في خلق فراغ يشغله التطرف؛ وخلق بدائل معقولة، وملموسة، وتمكينية للتطرف العنيف في البلدان حيث ينتشر.

صحيح أننا نعيش أوقاتاً عصيبة. ولكنني أرى دولاً في مختلف أنحاء العالم تنجح في الحد من الفقر المدقع، وتحسين الرعاية الصحية للأمهات، والمساعدة في تغذية الأطفال، وتوسيع القدرة على الوصول إلى التعليم الأساسي، ونحن في احتياج فقط إلى المساعدة في جلب هذا الواقع إلى الأماكن التي تبدو اليوم وكأنها على بعد مليون ميل.

نحن محظوظون لكوننا من نسل مبدعين، وفاعلين، وأشخاص قهروا العبودية، والطاعون، وأزمات الكساد، والحروب العالمية، ولم يفشلوا عندما خضعوا للاختبار، والآن حان دورنا. إن الاختبارات التي نواجهها اليوم تفرض علينا الإعداد والتخطيط، والتوحد، والدفاع عن مستقبلنا الجمعي ضد بارانويا الإرهابيين الرجعيين والبلطجية.

* وزير الخارجية الأميركية