في شمال أوروبا، وخاصة في ألمانيا، كان قرار البنك المركزي الأوروبي بالشروع في تنفيذ برنامج التيسير الكمي سبباً في إطلاق سيل من الاتهامات. والواقع أن أكثر هذه الاتهامات عارٍ عن الصحة أو لا أساس له على الإطلاق. وبعضها مربك، وأخرى تعطي وزناً لمخاطر المضاربة أكبر من ذلك الذي تعطيه للمخاطر الحقيقية. وقِلة منها تشير إلى المشاكل الحقيقية، في حين تتجاهل الحلول المحتملة.
وبالحكم من خلال الانتقادات، فقد يتصور المرء أن التضخم بنسبة الصفر نعمة. ولكن إذا كان ذلك صحيحا، فإن البنوك المركزية في مختلف أنحاء العالم كانت لتحدد تلك النسبة كهدف لها منذ فترة طويلة. غير أنها جميعها تحدد استقرار الأسعار استناداً إلى التضخم المنخفض والمستقر ولكنه إيجابي.
وهذا لأن التضخم بنسبة صفر ينطوي على ثلاثة عواقب سلبية للغاية. فهو أولاً يؤدي إلى تأكل فعالية السياسة النقدية المعيارية (لأن المودعين سوف يسحبون أموالهم من البنوك ويضعونها في الخزائن إذا انخفضت أسعار الفائدة إلى ما دون الصفر). وهو ثانياً يجعل الأجور النسبية (ولنقل للعاملين في التصنيع في مقابل العاملين في مجال الخدمات) أكثر جموداً، لأن عقود الأجور يتم تحديدها في العموم وفقاً لسعر اليورو. وهو ثالثاً يزيد من أعباء الديون السابقة ويجعل الخروج من أزمة الديون الخاصة أو العامة أكثر إيلاما.
ولكن، يزعم المنتقدون أنه لا يوجد سبب لقلق، لأن التضخم القريب من الصفر في منطقة اليورو هو مجرد نتيجة للانخفاض الحاد في أسعار النفط. صحيح أن إعادة التوازن إلى القدرة التنافسية داخل منطقة اليورو لم تكتمل بعد، وأن بعض البلدان تحتاج بالتالي إلى تسجيل مستوى تضخم أدنى من المتوسط من أجل خفض التكاليف الأعلى من المتوسط، ولكن هذا ليس صحيحاً في منطقة اليورو ككل. ذلك أن القدرة التنافسية تعتمد على جودة المنتج وسعر صرف اليورو، والذي يتسم بالمرونة. وفي هذا السياق يصبح التضخم بلا أهمية.
والآن يتفاعل البنك المركزي الأوروبي بقوة، ولكن كما اكتشف صناع السياسات في اليابان، فإن الخروج من الانكماش ليس بالأمر السهل على الإطلاق. فقد يفشل رئيس البنك المركزي الأوروبي ماريو دراجي في إعادة التضخم إلى مستوى 2%. أو قد يتجاوز الهدف. لا أحد يدري. ولكن من العجيب أن يدعي البعض أن خطر المضاربة لابد أن يمنع البنك المركزي الأوروبي من مكافحة خطر آخر حقيقي للغاية.
ثم يأتي الادعاء بأن التيسير الكمي غير قانوني. ولكن المسؤولية الأساسية الملقاة على عاتق البنك المركزي الأوروبي تتلخص في تحقيق استقرار الأسعار والحفاظ عليه. وعندما تصبح سياسة سعر الفائدة التقليدية عاجزة، فمن واجبه أن يعتمد على أدوات أخرى. والواقع أن شراء السندات الحكومية تجيزه معاهدة الاتحاد الأوروبي صراحة.
وهذا لا يعني أن التيسير الكمي ليس بلا جوانب سلبية. فهو ربما يخلق فقاعات أسعار الأصول. إن أسعار الفائدة البالغة الانخفاض ترفع أسعار الأصول بطريقتين: فهي تزيد من القيمة الحالية لمستوى الدخل الأساسي في المستقبل من الأسهم أو السندات الثابتة الدخل؛ وهي تجعل الائتمان وشراء العقارات أكثر إتاحة بأسعار معقولة. لذا فإن تضخم أسعار الأصول احتمال مرجح، وسوف يكون لزاماً على صناع السياسات أن يعملوا على احتوائه من خلال الأدوات التنظيمية، مثل حدود الائتمان. إن معارضة شمال أوروبا لسندات اليورو تعكس التخوف من خطر أخلاقي يتمثل في تسبب النشاط النقدي في تثبيط الإصلاحات البنيوية. ولا يجوز لنا أن نستبعد الاحتجاج بأن التيسير الكمي سوف يدمر الانضباط المالي، لأن كلاً من أنصاره وخصومه يتفقون في ما يبدو على أن أيامه قد انتهت.
*أستاذ في كلية هيرتي للإدارة في برلين
