على الرغم من إطلاق البنك المركزي الأوروبي لبرنامج التيسير الكمي الذي كان أكبر من المتوقع، فإن حتى أنصاره يخشون أن يكون غير كافٍ لتعزيز الدخول الحقيقية، والحد من البطالة، وخفض نسبة الديون الحكومية إلى الناتج المحلي الإجمالي. والواقع أن خوفهم في محله.
ولكن لنبدأ أولاً بالأنباء الطيبة: فقد أدى ترقب التيسير الكمي بالفعل إلى تسارع تراجع قيمة اليورو الدولية. وسوف يعمل اليورو الأضعف على تحفيز صادرات بلدان منطقة اليورو ــ والتي تذهب نصفها تقريباً إلى أسواق خارجية ــ وهو ما من شأنه أن يرفع بالتالي الناتج المحلي الإجمالي في منطقة اليورو. وسوف يساعد خفض قيمة اليورو أيضاً في رفع أسعار الواردات وبالتالي زيادة المعدل الإجمالي للتضخم، وإبعاد منطقة اليورو عن الانكماش.
ولكن من المؤسف أن هذا قد لا يكون كافياً. فقد عكس نجاح التيسير الكمي في الولايات المتحدة ظروفاً أولية كانت مختلفة تماماً عن الظروف التي نشهدها الآن في أوروبا. والواقع أن بلدان منطقة اليورو لا ينبغي لها أن تتراخى في تنفيذ جهود الإصلاح على افتراض أن شراء البنك المركزي الأوروبي للسندات سوف يحل مشاكلها. ولكن حتى إذا لم يكن بوسع هذه البلدان أن تتغلب على الحواجز السياسية التي تحول دون تنفيذ التغييرات البنيوية في أسواق العمل والمنتجات والتي من شأنها أن تعمل على تحسين الإنتاجية والقدرة التنافسية، فمن الممكن أن تعمل على استنان السياسات القادرة على زيادة الطلب الكلي.
لا شك أن الديون الوطنية الضخمة المستحقة على البلدان الكبرى في منطقة اليورو من شأنها أن تمنع استخدام السياسات الكينزية التقليدية ــ زيادة الإنفاق أو خفض الضرائب ــ لزيادة الطلب من خلال زيادة العجز في الميزانية. ولكن حكومات منطقة اليورو قادرة على تغيير بنية الضرائب على النحو الذي يحفز الإنفاق الخاص من دون تقليص صافي العائدات أو زيادة العجز المالي.
وعلى هذا فإن نجاح التيسير الكمي في الولايات المتحدة كان يعكس قدرة بنك الاحتياطي الفيدرالي على دفع أسعار الفائدة الطويلة الأجل إلى الانخفاض. وفي المقابل، فإن أسعار الفائدة الطويلة الأجل في منطقة اليورو منخفضة للغاية بالفعل، حيث لا تتجاوز أسعار الفائدة على السندات لعشر سنوات في ألمانيا وفرنسا خمسين نقطة أساس، ونحو 150 نقطة أساس فقط في إيطاليا واسبانيا.
وبالتالي فإن الآلية الرئيسية التي نجحت في الولايات المتحدة لن تنجح في منطقة اليورو. وقد يكون من المفيد خفض سعر صرف اليورو في مقابل الدولار من مستواه الحالي الذي يبلغ 1.15 دولار (حيث كان قبل اعتماد التيسير الكمي) إلى سعر التعادل أو حتى أقل، ولكن حتى هذا قد لا يكون كافياً. ولكن من حسن الحظ أن التيسير الكمي ليس الأداة الوحيدة المتاحة تحت تصرف صناع السياسات. فبوسع أي دولة في منطقة اليورو أن تعدل القواعد الضريبية لديها لتحفيز الاستثمار في الأعمال التجارية، وبناء المساكن، والإنفاق الاستهلاكي من دون زيادة عجزها المالي.
إن الالتزام برفع معدل ضريبة القيمة الإضافية بمقدار نقطتين مئويتين سنوياً على مدى السنوات الخمس المقبلة من شأنه أن يشجع الشراء المبكر بغرض سبق الزيادة في أسعار المستقبل. ومن الممكن التعويض عن انخفاض الدخول الحقيقية نتيجة لزيادة ضريبة القيمة المضافة من خلال الجمع بين خفض الضريبة على الدخل الشخصي، وخفض الضرائب على الرواتب، وزيادة التحويلات.
ورغم أن بلدان منطقة اليورو لا تستطيع تعديل أسعار الفائدة أو أسعار الصرف، فإنها قادرة على تغيير القواعد الضريبية لتحفيز الإنفاق والطلب، مع إمكانية اختلاف السياسة المناسبة من بلد إلى آخر. و ينبغي للزعماء السياسيين أن يدركوا أن التيسير الكمي ليس كافياً ــ وأن يشرعوا في التفكير في الأدوات الأخرى التي قد تعمل على تحفيز الإنفاق والطلب.
* أستاذ الاقتصاد في جامعة هارفارد
