عندما عقد الاتحاد الأوروبي قمته الأولى المتعلقة بالنمو والوظائف سنة 1977، وصلت نسبة البطالة على مستوى الاتحاد الأوروبي إلى 11%، وفي الخريف الماضي عندما عقدت قمة أخرى، لم يبد أنه قد تغير الكثير، فالبطالة في منطقة اليورو كانت 11،5%، وهي أعلى من النسبة المنخفضة التي وصلت إليها والبالغة 6،8% في الربع الأول من سنة 2008.

لو أراد الاتحاد الأوروبي الوفاء بوعده بتحقيق السلام والازدهار فإنه سوف يحتاج لخلق فرص للمزيد من سكانه. إن البطالة بين الشباب على وجه الخصوص هي مصدر قلق جدي، وحتى في البلدان التي لديها إحصائيات توظيف جيدة. أما في البلدان التي فيها أوضاع أسوأ في سوق العمل فإن بطالة الشباب تشكل مصدراً محتملاً لانعدام الاستقرار الاجتماعي والسياسي.

إن المشاركة في القوى العاملة ليست مرتبطة فقط بمستويات الدخل، بل أيضاً باحترام الذات والاندماج الاجتماعي والقيمة الاجتماعية. إن عدم دخول سوق العمل يزيد من خطر الفقر والصحة السيئة، وكلما استمرت البطالة أصبحت التأثيرات أكثر ضرراً.

إن الشباب العاطلين عن العمل يحظون بفرص أقل في وقت لاحق في الحياة، ما يعني ضياع التعليم والمهارات والتي تؤثر سلباً في الاقتصادات الوطنية.

في الحقيقة فإن بعض الدول الأوروبية قد تمكنت من تجاوز الأزمة بشكل معقول، وطبقاً لتصنيف جديد لمشروع ستيفتونج لمؤشرات الحكم المستدام فإن النمسا والدنمارك وألمانيا تتربع على القمة في ما يتعلق بالقدرة على الوصول لسوق العمل، تليها السويد وفنلندا، ولكن حتى في تلك الدول فإن هناك مجالاً للتحسن؛ فالدنمارك على سبيل المثال كانت تمثل في الماضي نموذجاً لإصلاحات سوق العمل، ولكن منذ بدء أزمة اليورو ارتفعت البطالة من 3،5% سنة 2008 إلى 6،4% في نوفمبر 2014.

لقد تمكنت ألمانيا من تخفيض معدل البطالة بشكل جذري في العقد الأخير، وحتى خلال الأزمة الاقتصادية، وبعد سنوات من البطالة الهيكلية المرتفعة وطويلة الأجل قامت البلاد بتطبيق سلسلة من إصلاحات سوق العمل وغيرها من الإصلاحات ابتداء من سنة 2003 حيث تمكنت من تحويل اقتصادها إلى واحد من أفضل اقتصادات الاتحاد الأوروبي من حيث الأداء.

إن النظام الألماني للتدريب المهني يوائم بين مهارات القوى العاملة في البلاد وبين احتياجات شركاتها ما أسهم في بطالة الشباب المنخفضة، ولكن ما يزال هناك عامل يثير القلق: نشوء سوق العمل المزدوج والذي يجد فيه العمال الذين يتلقون أجورا منخفضة والعمال المؤقتون أن من الصعوبة بمكان الانتقال من أوضاعهم الوظيفية غير الكافية إلى سوق العمل الاعتيادي.

إن أسواق العمل المزدوجة مشكلة في كافة أرجاء الاتحاد الأوروبي. إن النمسا من أفضل الدول التي تعاملت مع تلك القضية، فطبقاً لدراسة مؤشرات الحكم المستدام، فإن ما نسبته فقط 8،1% من الموظفين المؤقتين الذين شملهم البحث قد اضطروا لشغل وظائف مؤقتة بسبب عدم تمكنهم من إيجاد وظائف دائمة.

أما ألمانيا فتحتل المرتبة الثانية بفارق كبير، حيث إن ما نسبته 21% من أولئك الذين شملهم البحث قالوا إنهم يفضلون عملاً دائماً. أما في جنوب أوروبا والتي تعاني من الأزمات، فإن المشكلة أسوأ بكثير، ففي إسبانيا وقبرص فإن أكثر من 90% من العاملين في وظائف مؤقتة لا يستطيعون إيجاد وظائف دائمة.

إن المشكلة الأخرى في الدول الموجودة على قمة الترتيب مثل ألمانيا والنمسا هي نقص الفرص التعليمية لمجموعات معينة، وهذا يسهم في نقص الفرص وصعوبة الانتقال في سوق العمل، ففي النمسا يتم تقسيم الأطفال من الصف الرابع إلى أقسام تعليمية مختلفة، ما يعني أنه نتيجة لذلك فإن تطورهم التعليمي اللاحق محدد بشكل لا مرونة فيه منذ سن مبكرة.

إن المكانة الاجتماعية للآباء عادة ما تحدد قدرة الأطفال على الوصول للتعليم العالي، فاحتمالية أن يتخرج أطفال الآباء أصحاب الدخول العالية والآباء الذين التحقوا بمؤسسات التعليم العالي من الجامعة هي أعلى بكثير، وفي ألمانيا فإن فرص التعليم لأطفال المهاجرين والعائلات محدودة الدخل هي أقل من تلك المتوافرة في العديد من الدول الأخرى المتقدمة اقتصادياً.

إن أوضاع سوق العمل للمهاجرين هي أيضاً مسألة مزعجة في الدول الاسكندنافية والتي عادة ما يكون أداؤها جيداً بالنسبة لتمكين الوصول إلى التوظيف، ففي الدنمارك يعاني المهاجرون من غير الغربيين من معدلات بطالة أعلى وإنجاز تعليمي أقل مقارنة بالآخرين، وفي السويد كذلك وعلى الرغم من سجلها الممتاز في ما يتعلق بانعدام التمييز بشكل عام، يجد المهاجرون أن من الصعوبة بمكان الاندماج في المجتمع السويدي، ويواجهون مصاعب في سوق العمل مقارنة بالسويديين الأصليين.

على الرغم من أن السويد لديها أعلى معدلات التوظيف في الاتحاد الأوروبي، إلا أنها فشلت في معالجة المشكلة الموجودة منذ زمن وهي مشكلة البطالة في صفوف الشباب، والتي تصل حاليا إلى نسبة 23%، وتصل نسبة بطالة الشباب في إسبانيا واليونان إلى أعلى من 50% والوضع ليس أفضل بكثير في قبرص والبرتغال وإيطاليا وكرواتيا التي تعصف بها الأزمات.

 لقد وصلت البطالة بين الشباب في دول الاتحاد الأوروبي بشكل عام إلى 21،9% في نوفمبر، وهو رقم محبط، وطبقاً لإحدى الدراسات فإن هذا يكلف الاتحاد الأوروبي 150 مليار يورو (183 مليار دولار أميركي) سنوياً على شكل أجور ونفقات ضائعة ناهيك عن المصاعب التي يعاني منها العديد من هؤلاء الشباب والذين لا يستطيعون أن يجدوا عملًا.

لقد أطلق قادة الاتحاد الأوروبي في فبراير 2013 مبادرة لتوظيف الشباب بميزانية بلغت 6 مليارات دولار أميركي للمساعدة في التخفيف من المشكلة، ولكن المستشارة الألمانية انجيلا ميركيل اعترفت في يونيو 2014 أن المبادرة قد فشلت، كما أن قمة الاتحاد الأوروبي الأخيرة للوظائف لم توفر الكثير في ما يتعلق بطرح أفكار جديدة.

لقد ذكر الاتحاد الأوروبي أنه لا يجب أن يكون هناك أي شاب من دون وظيفة أو تعليم لأكثر من أربعة أشهر، ولكن لم يتم إحراز أي تقدم من أجل تحويل ذلك إلى حقيقة، وما لم يتم تبني طريقة تفكير جديدة قريباً فإن هناك خطراً بأن العديد من الشباب العاطل عن العمل قد يصبحون جيلاً ضائعاً.

 

* جاستين دودي تكتب في أخبار مؤشرات الحكم المستدام لبريتيلسمان ستيفتونج ومدونة بي تي اي

** دانيال شراد - تيشلر هو مدير مشاريع في بريتيلسمان ستيفتونج