في العاشر من يناير، وقع هجوم إرهابي وحشي شنيع في سوق مزدحمة في بلدة ماديجوري في شمال نيجيريا: فقد فَجَّرَت فتاة تبلغ من العمر عشر سنوات عبوة ناسفة مخبأة تحت ملابسها، مما أسفر عن مقتل ستة عشر شخصاً وإصابة عشرات آخرين. وكانت الطفلة المفجرة ــ التي يزعم بعض الشهود أنها لم تكن تعلم على الإطلاق أنها تحمل متفجرات ــ مُرسَلة من قِبَل الجماعة الإسلامية المتشددة المسلحة بوكو حرام.

ولم تكن هذه الحادثة منفردة. ففي اليوم التالي قامت فتاتان في سن العاشرة أيضاً تحمل كل منهما متفجرات مربوطة إلى جسدها بتنفيذ هجوم مماثل في بلدة بوتيسكوم النيجيرية. وقعت هذه الهجمات بعد أيام فقط من تسرب تقارير حول ما قد يكون أعنف هجوم إرهابي تشنه جماعة بوكو حرام حتى الآن: المجزرة التي راح ضحيتها نحو 2000 شخص في بلدة باجا.

الواقع أن حملة بوكو حرام الإرهابية بدأت قبل فترة طويلة. اكتسبت الجماعة اهتماماً عالمياً في العام الماضي، عندما اختطفت 276 فتاة من مدرسة في منطقة تشيبوك؛ ولكن لا يزال عدد كبير من الفتيات في عداد المفقودين، واليوم، أصبحت حملة «أعيدوا إلينا بناتنا» في طي النسيان.

وتتراوح التقديرات لعدد الأشخاص الذين قتلتهم بوكو حرام منذ عام 2009 بين 4000 (وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان الدولية) ونحو 13 ألف قتيل (وفقاً للحكومة النيجيرية).

إن الخطر الذي تفرضه جماعة بوكو حرام رهيب من دون إي احتياج إلى المبالغة. والواقع أن هذه الجماعة أصبحت تشبه على نحو متزايد «جيش الرب» الذي عاث فساداً في شمال أوغندا وجنوب السودان لعقود من الزمان.

وشأنها كشأن جيش الرب، تمثل جماعة بوكو حرام تهديداً خطيراً للاستقرار الإقليمي. فهي تسيطر بالفعل على أجزاء كبيرة من إقليم برونو، الذي يقع على الحدود مع النيجر وتشاد والكاميرون، والآن امتدت هجماتها إلى الكاميرون، حيث هاجمت مؤخراً قاعدة عسكرية.

ومثل جيش الرب، استحقت بوكو حرام سوء السمعة لاستهدافها الأطفال، فهي تختطف الصبيان والفتيات في أعمار قد لا تتجاوز سبع سنوات للخدمة كجنود وعبيد جنس. وكجزء من استراتيجية التجنيد التي تنتهجها، كثيراً ما يرغِم أعضاؤها الأطفال على قتل أفراد أسرهم ومجتمعاتهم المحلية بطرق بشعة، لضمان عدم قدرتهم على العودة إلى بيوتهم.

على الرغم من الأدلة الواضحة على الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، تباطأت الحكومة الأوغندية والمجتمع الدولي في الاستجابة لتهديد جيش الرب.

وبرغم أن زعيم جيش الرب جوزيف كوني وثلاثة من كبار قادته كانوا مطلوبين من قِبَل المحكمة الجنائية الدولية بتهمة ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية منذ عام 2005، فإن حملة «كوني 2012» على الإنترنت التي جعلته على رأس قائمة أخطر الهاربين المطلوبين على مستوى العالم هي التي حملت الولايات المتحدة على إرسال نحو 200 جندي لمساعدة قوة الاتحاد الافريقي في مطاردته. غير أنه لا يزال بعد مرور ثلاث سنوات حراً طليقاً.

ويبدو أن استجابة المجتمع الدولي للفظائع التي ترتكبها جماعة بوكو حرام بطيئة وغير منتظمة بنفس القدر. والواقع أن المجتمع الدولي، الذي كان تركيزه منصباً على الهجوم على المجلة الفرنسية الساخرة شارلي إيبدو، استغرق أياماً لإدانة المذبحة الجماعية في باجا. وحتى الرئيس النيجيري جودلاك جوناثان أرسل تعازيه إلى باريس قبل أيام من الاستجابة علناً للمذبحة التي راح مواطنوه ضحية لها.

إن هذا التقاعس عن التحرك ــ ليس فقط لمنع المزيد من الهجمات، بل وأيضاً لضمان المساءلة عن أفعال الماضي الوحشية ــ أمر خاطئ وبالغ الخطورة. وهناك أسباب وجيهة تجعلنا نعتقد أن السبب وراء هذا التقاعس سياسي. ذلك أن نيجيريا تشكل مصدراً مهماً للنفط والمواد الخام، وهي ذات قيمة اقتصادية متزايدة بالنسبة للغرب، وأيضاً الصين والهند وغير ذلك من البلدان الناشئة الكبرى.

وفي تنافسها على العقود المربحة، فضلت القوى العالمية تجنب الإساءة لحكومة نيجيريا بلفت الانتباه إلى عجزها عن حماية مواطنيها أو محاسبة المجرمين المسؤولين.

ولكن تجاهل بوكو حرام لن يفضي إلا إلى تمكينها من ارتكاب المزيد من الفظائع. وبهذا المعنى فإن الصمت قد يكون مثالاً آخر للتدليل على تحويل المجتمع الدولي بصره بعيداً عن المعاناة في إفريقيا، كما فعل كثيراً في الماضي، وخاصة في رواندا عام 1994.

في العشرين من يناير، اتخذت مدعية المحكمة الجنائية الدولية فاتو بينسودا خطوة مهمة عندما أصدرت بياناً يذكر حكومة نيجيريا بالتزامها بمحاكمة قادة بوكو حرام عن الجرائم التي «هزت الضمير الإنساني».

 وينبغي للمحكمة الجنائية الدولية أن تصدر الآن جدولاً زمنياً نهائياً لإثبات السلطات النيجيرية بشكل مقنع التزامها، بل وربما أكثر أهمية من هذا قدرتها على التحقيق في الفظائع التي ترتكبها جماعة بوكو حرام بشكل فعّال.

وسوف يكون لزاماً على بعثة ترسلها المحكمة الجنائية الدولية إلى المواقع التي هاجمتها بوكو حرام أن تحدد ما إذا كانت نيجيريا تحرز أي تقدم؛ وإذا قررت العكس، فيتعين على مدعية المحكمة الجنائية الدولية أن تصدر قراراً بفتح تحقيق مستقل.

إن السماح لجماعة بوكو حرام بمواصلة حملة الرعب والعنف والموت في نيجيريا وخارجها أمر غير ممكن. ويتعين على حكومة نيجيريا والمجتمع الدولي أن يستوعبا الدروس من تجربة جيش الرب وأن يتحركا فوراً لإنقاذ الأرواح وتقديم الجناة إلى العدالة.

 

* رئيس المركز الدولي للعدالة الانتقالية