كما كان متوقعاً، انضم البنك المركزي الأوروبي إلى السلطات النقدية الأخرى الرئيسية في العالم في التجربة الأكبر على الإطلاق في تاريخ البنوك المركزية. والآن، أصبح النمط معتاداً إلى حد كبير.

فأولا، تخفض البنوك المركزية سعر الفائدة التقليدي إلى «حد الصفر» المخيف. وفي مواجهة الضعف الاقتصادي المستمر، ولكن مع نفاد الأدوات التقليدية، تتبنى النهج غير التقليدي المتمثل في التيسير الكمي.

والنظرية وراء هذه الاستراتيجية بسيطة: فمع عجزها عن خفض سعر الائتمان إلى مستويات أدنى، تحول البنوك المركزية تركيزها إلى توسيع كَم الائتمان. والحجة الضمنية هي أن هذا الانتقال من السعر إلى تعديلات الكَم هو المعادل الوظيفي لتخفيف السياسة النقدية. وبالتالي فإن البنوك المركزية حتى عند بلوغ أسعار الفائدة الاسمية حد الصفر تظل تملك بعض الأسلحة في ترسانتها.

إن تأثير التيسير الكمي يتوقف على ثلاثة عوامل مرتبطة بالسياسة النقدية: النقل (القنوات التي من خلالها تؤثر السياسة النقدية على الاقتصاد الحقيقي)؛ والثِقَل (استجابة الاقتصادات للتدابير السياسية)؛ والاتساق الزمني (المصداقية الثابتة لوعد السلطات بالوصول إلى أهداف محددة مثل التشغيل الكامل للعمالة واستقرار الأسعار).

وعلى الرغم من احتفاء الأسواق المالية بالتيسير الكمي، ناهيك عن تهنئة بنك الاحتياطي الفيدرالي الأميركي لنفسه بحرارة، فإن التحليل القائم على هذه العوامل الثلاثة لابد أن يجعل البنك المركزي الأوروبي يعيد النظر.

فمن حيث النقل، ركز بنك الاحتياطي الفيدرالي على ما يسمى تأثير الثروة. واستخدم بنك اليابان مبرراً مماثلاً لسياسة التيسير الكمي والنوعي.

ولكن البنك المركزي الأوروبي سوف يواجه وقتاً أصعب في محاولة دعم حجة تأثيرات الثروة، ويرجع هذا إلى أن ملكية الأسهم من قِبَل أفراد (سواء بشكل مباشر أو من خلال حسابات التقاعد) أقل كثيراً في أوروبا مقارنة بالولايات المتحدة أو اليابان.

وبالنسبة لأوروبا يبدو من المرجح أن تنتقل السياسة النقدية عبر البنوك، وأيضاً من خلال قناة العملة، في حين يعمل اليورو الأضعف ــ الذي انخفض بنحو 15% في مقابل الدولار على مدى العام الماضي ــ على تعزيز الصادرات.

وتتعلق نقطة الخلاف الحقيقية في التيسير الكمي بالثِقَل. وتُعَد الولايات المتحدة، حيث يشكل الاستهلاك القسم الأكبر من النقص في التعافي في مرحلة ما بعد الأزمة، مثالاً واضحا. وقد واجهت حملة التيسير الكمي والنوعي الهائلة في اليابان مشاكل مماثلة مرتبطة بالثِقَل. وأخيرا، كان التيسير الكمي مخيباً للآمال من حيث الاتساق الزمني.

فقد عمل بنك الاحتياطي الفيدرالي لفترة طويلة على تأهيل استراتيجيته للتطبيع في مرحلة ما بعد التيسير الكمي ، ولكن البنك الوطني السويسري، الذي طبع النقود لمنع ارتفاع قيمة العملة بشكل مفرط بعد ربط عملته باليورو في عام 2011، هو الذي وجه الطعنة النجلاء إلى قلب التيسير الكمي.

فمن خلال التخلي بشكل غير متوقع عن الربط باليورو في الخامس عشر من يناير ــ بعد شهر فقط من التأكيد على الالتزام به ــ أفسد البنك المركزي السويسري الذي كان منضبطاً ذات يوم متطلبات المصداقية بشأن الاتساق الزمني.

في عصر التيسير الكمي، فقدت السياسة النقدية أي مظهر من مظاهر الانضباط والتماسك. ومثل القوارض على حافة الهاوية، تبدو البنوك المركزية غارقة في إنكار المخاطر التي تواجهها.

 

* عضو هيئة التدريس في جامعة ييل