في وقت يتسم بالنمو الاقتصادي العالمي الباهت، تنفض البلدان النامية عن نفسها غبار الاستراتيجيات القديمة، وخاصة استخدام السياسة الصناعية لدفع عجلة التنمية في قطاعات معينة وتحويلها إلى محركات للنمو وخلق فرص العمل. ولكن تاريخ مثل هذه السياسات، وخاصة في أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، زاخر بالفشل والقصص التحذيرية.

في خمسينيات وستينيات القرن العشرين، تبنت العديد من بلدان أميركا اللاتينية ومنطقة الكاريبي السياسة الصناعية بحماس ، وفي الثمانينيات والتسعينيات، تخلت أميركا اللاتينية عن هذه السياسات لصالح نهج أكثر حذرا.

فبدلاً من دعم قطاعات فردية، شجعت بعض البلدان الإبداع من خلال تقديم إعانات دعم وإعفاءات ضريبية لمختلف القطاعات، في حين فتحت اقتصاداتها أمام المنافسة الأجنبية وتبنت إصلاحات موجهة نحو السوق. ولكن هذه التغيرات، برغم كونها ضرورية، لم تكن كافية لتحقيق نمو الإنتاجية والناتج.

بعد عشرين عاماً تقريباً، ومع استكشاف حكومات أميركا اللاتينية مرة أخرى لإمكانية السياسة الصناعية النشطة، فسوف يتطلب تجنب أخطاء الماضي فهماً شاملاً للأسباب وراء فشل المحاولات السابقة ــ واستراتيجية ملموسة لتوجيه جهود المستقبل.

ولنتأمل هنا السياسات القطاعية في كوستاريكا والأرجنتين. في كوستاريكا، سلكت صناعة الأرز طريقاً تقليدياً في ممارسة الضغوط طلباً للحماية.

وعلى النقيض من هذا، طالب المزارعون في إقليم انتري ريوس بالأرجنتين المعهد الوطني للتكنولوجيا الزراعية بتكثيف البحوث في أصناف جديدة من الأرز، ومن غير المستغرب أن يجتاز التدخل في الأرجنتين كل الاختبارات، فقد عانت السوق من فشل التنسيق الذي عولج بفعالية من خلال تنفيذ السياسة العامة بواسطة المؤسسات المناسبة.

وبدلاً من تدليل صناعة كاملة بإعانات الدعم أو فرض القيود على الاستيراد، قدمت حكومة الإقليم والمعهد الوطني للتكنولوجيا الزراعية منفعة عامة ساعدت في تعزيز الإنتاج في قطاع معين.

بمجرد تحديد الحكومة لفرصة من الممكن أن تجتاز الاختبارات ، فإنها تصبح في وضع أفضل كثيراً لاستخدام تدابير مثل إعانات الدعم المؤقتة أو الحوافز المستهدفة بفعالية. ففي منطقة مايان ريفيرا في المكسيك على سبيل المثال، ساعد الدعم العام للاستثمارات في المساكن والنقل في خلق مقاصد سياحية من الطراز العالمي.

كما حققت كوستاريكا، برغم فشلها في صناعة الأرز، بعض النجاحات مع هذه السياسات.

فعندما حُرِمَت صناعة الأجهزة الطبية من تصنيع منتجات مربحة مثل صمامات القلب، نظراً للافتقار إلى الشركات المتخصصة لتوفير خدمات التعقيم، استخدمت الحكومة الحوافز لاجتذاب مثل هذه الشركات. ونتيجة لهذا، ارتفعت الصادرات من الأجهزة الطبية الأكثر تطوراً والأعلى قيمة إلى عنان السماء.

إن ضمان القدرة المؤسسة الكافية يشكل ضرورة أساسية لمنع المصالح الخاصة والسياسية من تشكيل السياسات، كما حدث في الخمسينيات والستينيات. كانت أيرلندا، التي كثيراً ما يشاد بها لنجاحها في اختيار الفائزين، تعتمد على الكفاءة الفنية التي تتمتع بها وكالة التنمية الصناعية الطيبة السمعة في حماية سلامة وفعالية عملية الاختيار.

 وقد لجأت تشيلي برغم امتلاكها لمؤسسات قوية إلى حد معقول إلى طرف ثالث (مجموعة بوسطن الاستشارية) لضمان اختيار القطاعات الأكثر قدرة على تحقيق النجاح بشكل موضوعي.

إن تعزيز التنمية الصناعية يمثل تحدياً معقداً. ويتعين على صناع السياسات أن يعملوا بشكل دوري على إعادة تقييم جهودهم والتخلي عن الجهود الفاشلة بلا إبطاء. ولن يخلو الأمر من النجاح والفشل، ولكن إذا حرص المسؤولون بشكل مستمر على طرح الأسئلة الثلاث الصحيحة، فإن فرص نجاحهم تصبح أعلى كثيراً.

 

* رئيس بنك التنمية للدول الأميركية