إن المرض العقلي مشكلة ليست جديدة ولا يتفرد بها العالم المتقدم، خلافاً للتصور الشائع. والواقع أن ما نطلق عليه الآن مسمى الفصام والاضطراب ثنائي القطبية من الأمراض التي يمكننا التعرف إليها في أعمال وكتابات ترجع إلى اليونان القديمة. ويظل كتاب «تشريح السوداوية» الذي نُشِر في عام 1621 للباحث الإنجليزي روبرت بيرتون واحداً من أكثر الأوصاف براعة وفهماً للاكتئاب. واليوم، تمثل البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط أغلب انتشار المرض ونحو 75% من حالات الانتحار التي تنتج عن المرض العقلي.

مع تحرك صناع السياسات، فمن الحكمة أن يضعوا في الاعتبار أن الاضطرابات العقلية ترجع إلى خلل في الدماغ. إن العديد من الناس ينظرون إلى الأمراض العقلية باعتبارها مشاكل تتعلق بالشخصية أو غياب الإرادة، بدلاً من الاعتراف بها بوصفها أشكالاً خطيرة وقاتلة أحياناً من الاعتلال الطبي. إن الدماغ أحد أعضاء جسم الإنسان مثله كمثل أي عضو آخر. والأمراض العقلية قد تؤدي غالباً إلى مشاكل صحية أخرى. فاضطرابات الدماغ مثل الاكتئاب والفصام تزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بأمراض مزمنة، مثل أمراض القلب والأوعية الدموية وأمراض الجهاز التنفسي. والأشخاص المصابون بأمراض عقلية ويتعاطون العقاقير المخدرة في الوقت نفسه معرضون لتزايد خطر الإصابة بأمراض معدية مثل فيروس نقص المناعة البشرية المكتسبة/الإيدز.

الواقع أن الأمراض العقلية قد تكون قاتلة مثلها كمثل الأمراض التي تصيب البدن. فالوفيات الناجمة عن الانتحار أكثر من الوفيات نتيجة لجرائم قتل. ونحو 7% من الأشخاص الذين يعانون من اضطراب اكتئابي شديد يقتلون أنفسهم. وعلى مستوى العالم، يقتل أكثر من 800 ألف شخص أنفسهم كل عام ،ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، لا يتلقى نحو 76% إلى 85% من المرضى الذين يعانون من أمراض عقلية شديدة العلاج في البلدان النامية.

ولكن ينبغي لنا أن نعترف رغم هذا بأن علاجات المرض العقلي ليست ناجعة بنسبة 100%. ونحتاج إلى البحث لتطوير علاجات أفضل لأمراض الدماغ عموماً، والأمراض العقلية بشكل خاص.

 

* مدير المعهد الوطني الأميركي للصحة النفسية.