الطلب على الإبداع في مجالات محددة من التكنولوجيا بمثابة القوة المشتركة وراء كل بقاع التكنولوجيا الفائقة المتألقة، فضلاً عن أكثر الاختراعات أهمية. لقد برزت طفرات تكنولوجية عظيمة مثل المضادات الحيوية والسيارات كاستجابة لحاجة ملحة شعر بها عدد كبير من المستهلكين. وعملت المشاريع الحكومية مثل برنامج أبولو في الولايات المتحدة ــ والذي كان الهدف منه وضع إنسان على سطح القمر ــ على دفع الطلب على التكنولوجيات الأكثر أساسية (والتي هي ببساطة الاختراعات التي لم يطلبها أحد بعد).

وقد بني وادي السليكون نفسه على الطلب. فقد استثمرت وزارة الدفاع الأميركية عشرات المليارات من الدولارات في عقود الإلكترونيات الدقيقة.

وعلى النقيض من الطلب الذي تحركه السوق، والذي يؤدي غالباً إلى ديناميكية يحصل الفائز بمقتضاها على كل شيء، فإن الطلب الذي ترعاه الدولة يخلق بيئة حيث يتسنى لحلول متعددة للمشاكل الفنية أن تتكاثر وتتعايش. فقد جرب رواد الإلكترونيات الدقيقة العديد من الاستراتيجيات للاستغناء عن أنابيب الفراغ، فتوصلوا إلى مجموعة من أشباه الموصلات وتصاميم الرقاقات: الجرمانيوم، والسليكون، والألمنيوم، وزرنيخيد الغاليوم الثلاثي، وهلم جرا.

فقد كانت وزارة الدفاع الأميركية المستهلك الوحيد للدوائر المتكاملة في عام 1962، ولكن بحلول نهاية ذلك العقد كان المستهلكون يشترون أجهزة الراديو الترانزيستور والآلات الحاسبة الصغيرة بكميات هائلة.

وعلى نحو مماثل، لا ينبغي للطلب الذي تتولى الحكومة رعايته أن يتخذ هيئة إعانات دعم موجهة لتكنولوجيات أو شركات بعينها؛ فلا يجوز للحكومات أن تقامر بأموال دافعي الضرائب على مشاريع معينة. إن خوض هذه المجازفة وظيفة أصحاب رؤوس الأموال وغيرهم في مجال التمويل، وليس الموظفين العموميين.

وبسبب التأثير المضاعف، فإن الحكومات والدول الصغيرة، بل وحتى المدن الكبيرة، تستطيع أن تتولى بنجاح رعاية ذلك النوع من الطلب الذي يعمل على تشجيع نشوء مراكز إبداع عالمية المستوى. والواقع أن بعض الدول الاسكندنافية والأقاليم الصينية فضلاً عن دولة سنغافورة الصغيرة تعتبر في وضع مثالي يسمح لها بتجربة هذا النهج.

 

* كبير مخططي المشاريع في شركة

مايكروسوفت سابقاً