إن البحوث العلمية التي تمولها الحكومات تغطي السلسلة الكاملة من دراسة العمليات الفيزيائية والبيولوجية الأساسية إلى تطوير التطبيقات التي تلبي الاحتياجات الفورية. ونظراً للموارد المحدودة، فإن السلطات التي تقدم المنح تجد نفسها دوماً أمام الإغراء المتمثل في توجيه نسبة أعلى من الأموال إلى التطبيقات التي تغطي الاحتياجات الفورية.
وفي مواجهة القيود المحكمة المفروضة على الميزانيات اليوم، فإن الميل إلى تفضيل المشاريع التي أظهرت عائدات على المدى القصير أصبح اليوم أقوى مما كان عليه في الماضي. ولكن الخضوع لهذا الميل خطأ كبير. ذلك أن بعض الاكتشافات العلمية المفاجِئة الأكثر منفعة على الإطلاق جاءت نتيجة للاستثمار المستمر في مجال البحوث الأساسية أو كمنتج ثانوي لجهود غير متصلة.
والواقع أن تقييم تأثير أي مشروع بحثي أمر صعب. وكما أشار مارك كيرشنر، الأستاذ في كلية الطب بجامعة هارفارد في افتتاحية رصينة في مجلة العلوم: «قد يكون المرء قادراً على التعرف على العلم الجيد عندما يحدث أمامه، ولكن العلم المفيد لا يمكن رؤيته إلا في مرآة الرؤية الخلفية».
حتى أن الباحثين البارزين ربما يقللون من أهمية اكتشافاتهم عندما يتوصلون إليها.
فعندما تلقى سلفادور لوريا، أستاذ علم الأحياء المجهرية في جامعتي، جائزة نوبل لعام 1969 في الفسيولوجيا (علم الوظائف) أو الطب، أظهر هذه النقطة ببلاغة، فقد أرسل رسماً كاريكاتورياً مضحكاً إلى كل مهنئيه على الجائزة. ويصور الرسم زوجين مسنين على مائدة الإفطار. يقرأ الزوج جريدة الصباح، فيصيح فجأة: «يا للعجب! لقد مُنِحت جائزة نوبل عن شيء يبدو أنني قلته أو فعلته أو خطر على بالي في عام 1934!».
إن الاكتشافات قد تأتي من اتجاهات غير متوقعة، تماماً كما تتقاطع بشكل غير متوقع مجالات بحثية تبدو غير متصلة وغامضة ظاهريا.
ونتيجة لهذا فإن أنظمة النماذج التي تتسم بالبساطة ولكنها داعمة للمعرفة أصبحت موضع تجاهل، وبهذا تضيع حلقة وصل مهمة بين العلوم الأساسية والطب البشري. ففي الولايات المتحدة، تنفق المعاهد الوطنية للصحة ما يقرب من ثلاثين مليار دولار سنويا، وتنفق مؤسسة العلوم الوطنية سبعة مليارات أخرى.
* زميل روبرت ويسون في الفلسفة العلمية والسياسات العامة في معهد هوفر التابع لجامعة ستانفورد