«إن كل أمة تنال الحكومة التي تستحقها»، كانت هذه رؤية جوزيف دي ميستر، مبعوث مملكة سردينيا الدبلوماسي إلى الإمبراطورية الروسية، قبل نحو 200 سنة، في التعليق على الخمول السياسي العميق في روسيا ــ وهي السمة التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، بطبيعة الحال، لم تعد روسيا نظاماً ملكياً مطلقاً كما كانت في زمن ميستر.
وهي ليست دكتاتورية شيوعية حيث يستخدم أمثال جوزيف ستالين التهديد بمعسكرات العمل لتثبيط التعبير السياسي.
ولكن الرئيس فلاديمير بوتين تعلم الكثير من التكتيكات الدكتاتورية التي انتهجها أسلافه، في حين يبدو أن الشعب الروسي لم يتعلم أي شيء. في استطلاع للرأي في نهاية عام 2014، قال 68% من المستجيبين إن بوتين لا بد أن يكون «رجل العام».
فبعد استيلائه على شبه جزيرة القرم من أوكرانيا في مارس، ورفضه الخضوع للقوى الغربية التي عارضت هذه الخطوة، أصبح بطلاً بين المواطنين الروس العاديين، والواقع أن الجهود التي بذلها بوتن لاستعادة الأراضي الروسية السابقة حجبت محاولاته خنق المنظمات غير الحكومية، وقمع وسائل الإعلام المستقلة، وإسكات الأصوات المعارضة. وحتى مع انهيار الاقتصاد الروسي ــ وخسارة الروبل أكثر من نصف قيمته في مقابل الدولار منذ يونيو، وارتفاع أسعار الفائدة إلى 17%، ومعدل التضخم إلى أكثر من 10% ــ يظل بوتن محتفظاً بمستويات تأييد شعبية تبلغ 85%.
وينبغي للروس أن يطالبوا بحل للمتاعب الاقتصادية التي تواجهها دولتهم، وليس امتداح الزعيم الذي تسبب في إحداث هذه المتاعب، ولكن بوتين، ضابط الاستخبارات السوفييتية السابق، يتمتع بدهاء الديكتاتور. وهو يعلم أن قروناً من السيطرة الحكومية المشددة جعلت الروس مطيعين. وربما يخشى الروس الحكومة، ولكن أخشى ما يخشونه هو أن يُتركوا بلا نصير يدافع عنهم.
في منتصف ديسمبر، أقام بوتين مأدبة العشاء التي يدعو إليها أنصار حكم القِلة سنويا ــ وهو الوليمة في زمن الطاعون إذا جاز التعبير. وقد حضر الحدث أربعون من زعماء الصناعة والمال (وأغلبهم يديرون شركات تابعة للكرملين) طلباً لاكتساب ــ وإعطاء ــ الاطمئنان إلى قدرتهم، ومعهم حكومتهم، على الصمود في مواجهة الأزمة.
وعلى مأدبة العشاء، كرر بوتين وعده بحماية ثروات النخبة من العقوبات الأميركية والأوروبية. وبشكل خاص، تعهد بوتين بتطبيق ما يسمى قانون روتنبرج (الذي سمي على اسم الخبير المالي أركادي روتنبرج الذي اضطر في سبتمبر إلى تسليم 40 مليون دولار في هيئة أصول إلى الحكومة الإيطالية. ويلزم القانون الكرملين بتعويض النخبة عن أي أصول أجنبية يخسرونها نتيجة للعقوبات الغربية، وقد بنيت هذه التصريحات على وعد بذله بوتين في مقابلة أجريت معه في وقت سابق من الشهر الماضي. فإذا أعاد رجال الأعمال الروس حساباتهم في الخارج، فسوف تُنسى تصرفاتهم المالية المسيئة وتغتفر.
الواقع أن الاعتماد على مثل هذه الوعود يُعَد انتحاراً مالياً. فقبل بضعة أشهر، أكد بوتين للجميع أن اقتصاد روسيا سوف يصمد في وجه العقوبات الأوروبية والأميركية بسهولة.
وعلى نحو مماثل، خسرت النخبة الروسية الكثير خلال الانهيار المالي في عام 1998 ــ ولم يتعاف أغلبهم من تلك الخسارة قط. ومن الواضح أن الحكومة الروسية لا يمكن ائتمانها على ثروة أي شخص، مع الاستثناء المحتمل لأعضائها. غير أن رفض احتضان الكرملين لا يقل تدميراً. ففي روسيا بوتين، تجلب المعارضة السياسية الخراب المالي.
ففي عام 2003، كان مصير أكثر أفراد النخبة الروسية ثراءً ميخائيل خودوركوفسكي ــ المدافع القوي عن الديمقراطية والمنتقد الذي لا يكل ولا يمل لبوتين ــ السجن بتهمة الاحتيال والتهرب الضريبي الملفقة، ودُفِعَت شركة النفط يوكوس التي كان يمتلكها إلى الإفلاس، وتم تفكيكها وبيعها للمقربين من الكرملين، وبعد عشر سنوات، تظل الرسالة بلا تغيير: إذا أطعت حكومتك فسوف تغفر لك حماقاتك (لا يخلو أي عمل في روسيا من العمولات والرشى). وعدم الانصياع يعني سقوطك ــ بصرف النظر عن مدى ثرائك وشهرتك.
لا شك أن الروس يعرفون ما يكفي لكي يساورهم القلق إزاء نفاد جعبة بوتين من الحيل والأفكار. ولكن هذا الخوف لا يقارن برعبهم مما قد يحدث إذا عكروا صفو الوضع الراهن. ومن جانبه، يدرك بوتين هذا تمام الإدراك، ويعلم أنه لا يحتاج إلى معسكرات العمل الإلزامي ــ بل لا يحتاج إلا إلى الاستخدام الحكيم لتكتيك الخوف والمغفرة ــ لإبقاء قبضته على السلطة.
* كبيرة زملاء معهد السياسات العالمية في نيويورك.

