اليوم تدعو الثورات التكنولوجية إلى تجديد شامل. لقد أصبحت الفوائد المحتملة المترتبة على الاكتشافات والتطبيقات الجديدة في مجال الروبوتات، والتكنولوجيا الحيوية، والتكنولوجيات الرقمية، وغير ذلك من المجالات واضحة وفي كل مكان من حولنا.

والواقع أن كثيرين يعتقدون أن الاقتصاد العالمي ربما يكون على أعتاب انفجار آخر في التكنولوجيات الجديدة.

والمشكلة هي أن القسم الأعظم من هذه التكنولوجيات الجديدة موفرة للعمالة. وهي تستلزم الاستعاضة عن العمالة المتدنية والمتوسطة المهارة بآلات يمكن تشغيلها بالاستعانة بعدد أقل كثيراً من العمال من ذوي المهارات العالية.

لا شك أن بعض المهام التي تتطلب مهارات متدنية لا يمكن إنجازها آلياً بسهولة. فحراس البنايات، على سبيل الاستشهاد بمثال شائع، لا يمكن الاستعاضة عنهم بالروبوتات ــ على الأقل حتى الآن. ولكن قِلة من الوظائف تتمتع بالحماية حقاً من الإبداع التكنولوجي. ولنتأمل هنا على سبيل المثال أن القمامة التي ينتجها البشر سوف تكون أقل مع تشغيل أماكن العمل بالتكنولوجيا الرقمية ــ وهذا يعني بالتالي تراجع الطلب على مسؤولي صيانة ونظافة البنايات.

إن العالَم حيث تقوم الآلات والروبوتات بأعمال البشر ليس بالضرورة عالَماً يتسم بارتفاع معدلات البطالة، ولكنه بكل تأكيد عالم حيث يذهب نصيب الأسد في مكاسب الإنتاجية إلى أصحاب التكنولوجيات الجديدة والآلات التي تجسدها. والقسم الأعظم من قوة العمل محكوم عليه إما بالبطالة أو الأجور المنخفضة.

والواقع أن شيئاً من هذا القبيل كان جارياً في البلدان المتقدمة لمدة أربعة عقود من الزمان على الأقل. وكانت التكنولوجيات التي تعتمد بكثافة على المهارة ورأس المال السبب الرئيس وراء اتساع فجوة التفاوت بين الناس منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين. وتؤكد كل المؤشرات أن هذا الاتجاه من المرجح أن يستمر، لكي ينتج مستويات غير مسبوقة تاريخياً من التفاوت وعدم المساواة، فضلاً عن التهديد المتمثل في الصراع الاجتماعي والسياسي الواسع النطاق.

 

* أستاذ العلوم الاجتماعية في معهد الدراسات المتقدمة بجامعة برينستون في نيوجيرسي، ومؤلف كتاب «مفارقة العولمة: الديمقراطية ومستقبل الاقتصاد العالمي»