في الربيع الماضي، بعد أن ضمت روسيا شبه جزيرة القرم وبدأت تتدخل في شرق أوكرانيا، فَرَضَت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات ضد أفراد وشركات في روسيا. ولكن إذا كان لهذه العقوبات أن تعمل كأداة فعّالة في مواجهة طموحات فلاديمير بوتين ــ وهو موضوع مناقشة جارية في الغرب الآن ــ فلابد أن تجمع بين اليد الحازمة في التعامل مع روسيا واليد المفتوحة تجاه شعبها.
ولفهم الدور الذي تستطيع العقوبات أن تلعبه في التعامل مع الكرملين فما علينا إلا أن نتأمل في أهمية المال لصاحبه. منذ بداية القرن وحتى وقت قريب للغاية، أُغرِقَت روسيا بدولارات النفط؛ ومع تزايد تدفق الأموال، تزايدت جرأة بوتين وعدوانيته.
في عام 1999، ساهمت عائدات النفط والغاز بنحو 40.5 مليار دولار أميركي في الناتج المحلي الإجمالي الروسي. ومع ارتفاع الأسعار وزيادة الإنتاج، تزايدت هذه المساهمة بشكل كبير فبلغت في المتوسط 73.5 مليار دولار سنوياً من عام 2001 إلى عام 2004. وبفضل الثروة المتنامية تزايدت جرأة بوتين، وهو التغير الذي تمثل في القرار الذي اتخذه باعتقال وسجن ميخائيل خودوركوفسكي، مالك شركة النفط العملاقة يوكوس في عام 2003.

واستمر هذا الاتجاه. ففي الفترة من عام 2005 إلى عام 2008، كانت عائدات النفط والغاز السنوية أعلى بنحو 223.6 مليار دولار عما كانت عليه في عام 1999؛ وفي نهاية هذه الفترة غَزَت روسيا جورجيا. وفي الفترة 2011-2013، بلغ دخل روسيا من النفط والغاز ذروته بنحو 394 مليار دولار فوق مستويات 1999، الأمر الذي مهد الطريق لتدخلات الكرملين في أوكرانيا. وفي كل هذه الحالات، كان بوتين يتصرف انطلاقاً من اقتناعه بأن ثروة روسيا النفطية تعني أن القواعد ــ وحتى القوانين الدولية ــ لا تنطبق عليه.
ولكن مع فرض العقوبات أصبحت الأسواق المالية مغلقة في الأغلب في وجه الشركات الروسية. فأسعار النفط تسجل الآن هبوطاً شديدا؛ وطبقاً لتقديرات وزير المالية الروسي فإن الخسائر التي تكبدتها البلاد منذ الربيع الماضي تجاوزت 140 مليار دولار. كما بدأت احتياطيات روسيا الاستراتيجية من العملة تتمزق على أيدي أصدقاء بوتين، بل وربما تستنزف بحلول نهاية العام المقبل. وعلاوة على ذلك، خسر الروبل ما يقرب من 50% من قيمته على مدى الأشهر الستة الماضية. ولكن برغم أن العقوبات بدأت تصبح مؤلمة بوضوح، فسوف يمر بعض الوقت قبل أن يستشعر القسم الأكبر من الشعب الروسي تأثيرها فعليا. ولذا، ينبغي للغرب أن ينتظر.
الواقع أن البحث عن حلول دبلوماسية ليس بالتصرف الوجيه تماما، فهي ببساطة لا وجود لها. فقد اختار بوتين التصرف دون اعتبار للسلامة الإقليمية، وأعلن نفسه مدافعاً ليس فقط عن المواطنين الروس، بل وأيضاً عن كل المنتمين إلى العرق الروسي، والناطقين باللغة الروسية، بل وحتى المسيحيين الأرثوذوكس. وهو يعتقد أنه يملك حق التدخل في شؤون جيرانه لأنه، على حد تعبيره، يرى أن «الاتحاد السوفييتي كان هو روسيا ذاتها ولكن باسم آخر». وبعبارة أخرى، فإن أوكرانيا هي مجرد منطقة انفصالية تنتمي إلى روسيا التاريخية.
ولكن الشعب الروسي يتمتع بقدر من الحداثة يجعله يتشكك في هذه السياسات. فكان «إجماع بوتين» مبنياً على وعد بالرخاء المتزايد ــ وهو الوعد الذي يتبخر الآن بسرعة تحت سخونة العقوبات. والواقع أن أغلب أبناء النخب الروسية يفكرون ويتصرفون كرجال أعمال، وليس بوصفهم قوميين رومانسيين: ومع انزلاق الاقتصاد إلى حالة من الركود المطول، فسوف تتزايد الانتقادات الموجهة إلى سياسات بوتين والأصوات المنادية بمراجعتها. ولابد أن يكون هدف العقوبات الغربية فصل حكام روسيا المنتمين إلى عصر ما قبل الحداثة عن سكانها من أنصار الحداثة. وقد تكون هذه الاستراتيجية قليلة الجدوى في المجتمعات الخاضعة لسيطرة مُحكَمة مثل إيران وكوريا الشمالية؛ ولكن روسيا أوروبية في الأساس.
* أستاذ الاقتصاد في كلية موسكو العليا لعلوم الاقتصاد، ومدير مركز دراسات ما بعد الصناعة
