الاتصال الهاتفي بين الرئيس الأميركي باراك أوباما، والرئيس الكوبي راوول كاسترو، والذي تبعه تبادل سجين أميركي بثلاثة عملاء للمخابرات الكوبية معتقلين في الولايات المتحدة الأميركية، يعتبر في الواقع أهم لحظة في تاريخ العلاقات الثنائية بين البلدين لعقود، وبعد ذلك بوقت قصير أعلنت الولايات المتحدة وكوبا أنهما سوف يبدآن عملية إعادة العلاقات الدبلوماسية الكاملة.
يبدو من الوهلة الأولى أن الاتفاقية تبدو كنصر كبير لكوبا، حيث تراجعت الولايات المتحدة الأميركية أخيراً عن محاولتها عزل الجزيرة الشيوعية، ولكن الواقع هو أكثر تعقيداً.
أولاً، هذه ليست نهاية الحظر التجاري الأميركي والذي يمكن رفعه فقط بقرار من الكونجرس، كما أنه لن يصار إلى تطبيع العلاقات بشكل كامل، حيث سوف تكون هناك سفارات ولكن من دون سفراء.
لكن ليس هناك من شك في أن الاتفاقية ـ والتي تمت بوساطة الفاتيكان وكندا ـ هي خطوة مهمة للأمام، فالسفر إلى هافانا للأميركان من غير أصول كوبيه سوف يصبح أسهل، وسوف يصبح من الممكن إجراء تعاملات بنكية بين البلدين، كما سوف تتم تسوية بعض القضايا التجارية، وسوف تقوم وزارة الخارجية الأميركية بإزالة اسم كوبا من قائمة الدول التي تتهمها بدعم الإرهاب.
صحيح أنه لا يبدو أن كوبا قد تخلت عن الشيء الكثير بالمقابل، فبالإضافة إلى الإفراج عن الأميركي آلن جروس، وافق كاسترو على الإفراج عن 53 سجيناً سياسياً وتخفيف القيود على الإنترنت والسماح بحرية الوصول لمسؤولي حقوق الإنسان من الأمم المتحدة ومراقبين من الصليب الأحمر الدولي.
إن هذه تنازلات بالتأكيد، ولكنها ليست تنازلات كبيرة مقارنة بالذي يمكن أن تكسبه كوبا من إعادة العلاقات الدبلوماسية بعد نصف قرن من العزلة.
ومع ذلك فإن كوبا واقعة في ورطة بسبب متغير جوهري ربما دفع كاسترو لاتخاذ مثل هذا القرار: الانهيار الأخير لسعر النفط.
إن هناك سلسلة من العوامل ـ الزيادة المذهلة في إنتاج النفط والغاز في الولايات المتحدة الأميركية والركود في أوروبا واليابان وقرار السعودية بالإبقاء على تدفق نفطها والتباطؤ الاقتصادي في الصين والهند ـ قد أدت إلى تخمة في التوريد، علماً أن اكثر بلدين تأثرا هما في واقع الأمر البلدان اللذان تعتمد عليهما كوبا تاريخياً من أجل الإبقاء على اقتصادها بعيداً عن المتاعب، وهذان البلدان هما روسيا وفنزويلا.
إن فنزويلا ومتاعبها تشكل أكبر تهديد لاستقرار كوبا، فروسيا لم تدعم كوبا بشكل كبير منذ انهيار الاتحاد السوفييتي، ولكن فنزويلا، وخاصة تحت حكم الرئيس السابق هوجو تشافيز، كانت راعية مهمة، حيث ترسل فنزويلا لكوبا مئة ألف برميل من النفط يومياً، بالإضافة إلى نحو
5-15 مليار دولار أميركي على شكل مساعدات كل سنة.
ومن غير المرجح أن يستمر هذا الدعم، ولعل من غير المصادفة أن المحادثات بين الولايات المتحدة وكوبا بدأت بعد وقت قصير من وفاة تشافيز سنة 2013. ليس هناك شك في أنه في غياب الدعم الفنزويلي فإن كوبا ستغرق مرة أخرى في الركود، وذلك كما حصل بعد أن توقفت المساعدات الروسية في أوائل التسعينات.
هذا يجعل كوبا عرضة للأخطار، فمن الواضح أن الإصلاحات الاقتصادية لم تحقق الفوائد المرجوة منها. إن النقص على نطاق واسع قد ساعد في تفشي التضخم مع زيادة خطر التضخم النقدي بمعدلات مرتفعة للغاية، علماً أنه تتم المتاجرة في العملة بالسوق السوداء بنسبة 3% أكثر من السعر الرسمي. إن وقوع اضطرابات سياسية كبيرة قد أصبح أمراً مرجحاً بشكل متزايد.
* وزير خارجية سابق للمكسيك (2000-2003) وهو يعمل حالياً كأستاذ للعلوم السياسية والدراسات الأميركية اللاتينية والكاريبية في جامعة نيويورك.
