أثناء حملته الانتخابية، وَعَد رئيس الوزراء الهندي نارندرا مودي بتحسين الطريقة التي تُحكَم بها البلاد. ومنذ تولى منصبه في مايو، سعى حثيثاً للوفاء بوعده.
ومؤخراً، أعلى نارندرا أنه يريد تعزيز ترتيب الهند في تقرير «سهولة مزاولة الأعمال» الذي يصدره البنك الدولي لتقييم المناخ التنظيمي في 189 دولة. ويتلخص هدف مودي في رفع الهند إلى مصاف أفضل خمسين دولة ــ وهو طُموح جريء، لأن الهند تحتل المركز الثاني والأربعين بعد المائة حالياً.
إن الحد من الروتين البيروقراطي من الممكن أن يساعد في تعزيز ثقافة المغامرة التجارية والدينامية. ولكن تفعيل البنية الأساسية التنظيمية والتنفيذية الفعّالة قد يكون على القدر نفسه من الأهمية، وخاصة في المجالات حيث يواجه المستهلكون صعوبة في تقدير قيمة المنتجات والمخاطر التي قد تشكلها.
في كل البلدان ــ وفي الاقتصادات النامية بشكل خاص ــ يشكل الجهاز التنظيمي النشط ضرورة أساسية لبناء الثقة في السوق.
ولابد أن يكون المستهلكون على يقين من أن الطعام الذي يأكلونه، والسيارات التي يقودونها، والأدوية التي يتناولونها آمنة. فالثقة في المنتجات المحلية تعزز الاستهلاك المحلي وتجعل الصادرات أكثر جاذبية في الأسواق الخارجية.
وعلى النقيض من هذا، تصاب الشرايين التجارية في البلدان المبتلاة بأوجه القصور التنظيمية بالتصلب والانسداد، وينفر المستثمرون الأجانب من نقائص مثل عدم القدرة على التنبؤ بالجودة والمنافسة غير العادلة من قِبَل منتجين مجردين من المبادئ.
وفي البلدان النامية، تشكل رداءة العمليات التنظيمية وإنفاذ القواعد حاجزاً هائلاً يحول دون تعزيز روح المغامرة التجارية والاستثمار، ووفقاً لتقرير البنك الدولي، فإن «الإخفاقات التنظيمية تعرض الناس والبيئة لمخاطر مروعة».
ومع سعي البلدان النامية إلى ترقية أجهزتها التنظيمية، فينبغي لها أن تركز على إغلاق الثغرات القانونية التي تعرض المستهلكين للخطر وتقوض مصداقية السوق. ففي الصين على سبيل المثال، يستطيع منتجو المكونات الصيدلانية أن يتهربوا من القواعد التنظيمية المفروضة على الأدوية من خلال الادعاء بأن منتجاتهم لن تستخدم لأغراض طبية.
وحتى رغم أن الشركات ذات السمعة الطيبة تضمن جودة جميع مدخلاتها، فإن هذه الثغرة من الممكن أن تسمح للمنتجات غير الآمنة بالدخول إلى السوق، كما حدث في عام 2008، عندما مات 81 أميركياً على الأقل بعد تناول جرعات من الهيبارين المرقق للدم تحتوي على مادة صينية مغشوشة.
وعلى المنوال نفسه، لابد أن تستند التنظيمات إلى معاير دولية، حيثما وجدت. على سبيل المثال، وضعت هيئات تنظيم الأدوية الأميركية والأوروبية واليابانية وغيرها مبادئ توجيهية، من خلال المؤتمر الدولي حول تنسيق القواعد التنظيمية، وهي المبادئ التي تستفيد من خبراتها الجماعية.
وتعتمد بلدان مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة على هذه القواعد التنظيمية لتنسيق عمل أجهزتها التنظيمية. ونتيجة لهذا فإن مواطني هذه البلدان سوف يستمتعون بالقدرة السريعة على الوصول إلى الأدوية الجديدة، وسوف يجد باحثوها سهولة أكبر في المشاركة في البحوث السريرية العالمية، والتي تمثل نِعمة بالنسبة للصناعات المحلية.
ولأن فعالية أي مؤسسة تنظيمية تتحدد وفقاً لمدى فعالية العاملين لديها، فلابد أن يكون تدريب الموظفين المهرة أحد مجالات التركيز الأخرى المهمة في البلدان النامية. في الصين، يعمل أقل من 200 شخص في مركز تقييم الأدوية، وهي الهيئة التي تراجع استخدامات الأدوية الجديدة.
وفي المقابل، توظف هيئة الأغذية والأدوية الأميركية 4000 مراجع، وتوظف هيئة الأدوية الأوروبية 3000 مراجع. وكما هو متوقع، تُعَد عملية الموافقة على الأدوية الجديدة في الصين واحدة من الأبطأ في العالم ــ ثماني سنوات في المتوسط. ونتيجة لهذا، يُحرَم المرضى من القدرة على الحصول على الأدوية التي يحتاجون إليها.
إن بناء رأس المال الفكري والكفاءة المؤسسية قد يستغرق سنوات، ولكن المهمة ليست مستحيلة. فقبل عشر سنوات، كانت عميلة الموافقة على الأدوية في اليابان متثاقلة بالمقارنة بغيرها في الاقتصادات المتقدمة.
وقد حرصت اليابان على جعل التسريع الآمن لعملية الموافقة على رأس أولوياتها، وتلا ذلك تقدم هائل.فقد انخفض متوسط الوقت المستغرق للموافقة على الأدوية الجديدة من 833 يوماً في عام 2006 إلى 306 أيام في عام 2012، وفقاً لمركز إبداع العلوم التنظيمية في لندن.
* كبير مديري الاقتصاد الدولي لدى مجلس الأمن القومي أثناء ولاية الرئيس الأميركي جورج دبليو بوش.

