لا يُمكن لبلادٍ أن تتقدّم، اقتصادياً واجتماعياً وسياسياً، إلاّ إذا أنتجت كوادر قادرة على صنع تقدّمها، أي إذا أنتجت معرفة، ليس فقط بمعنى التعلّم ولكن أيضاً بمعنى القدرة على خلق رؤية لتقدّمها. هكذا أضحى موضوع التعليم في البلدان العربيّة، وخاصّة التعليم العالي، موضوعاً أساسيّاً في النقاش العام ولواضعي السياسات.
يتّفق الجميع أنّ التعليم العالي قفز قفزة نوعيّة منذ عهود الاستقلال. وأنّ الإنفاق عليه بلغ نسبة كبيرة من الناتج المحلّي الإجماليّ، كما التعليم الأساسيّ. وأنّ الحديث عن رداءة التعليم بشكلٍ عامّ ليس سوى أسطورة.
وأنّ الفعاليّة ليست مرتبطة بكون التعليم حكوميّاً أم خاصّاً، فكلاهما يُمكن أن يكون ناجعاً، كما تثبت تجربتا تونس والأردن المميّزتان. فأين تكمن المشكلة إذاً؟ ولماذا لا يُنتج العالم العربيّ نهضة معرفيّة كما أنتجها في آواخر القرن التاسع عشر؟ مع أنّ التعليم العالي كان محصوراً حينها في مؤسسّات قليلة كالأزهر.
تختلف أنظمة التعليم العالي في البلدان العربيّة اختلافاً كبيراً، ولكلّ منها تاريخها. إلاّ أنّ اللافت في الفترة الأخيرة هو أنّ أعداد الطلاب للصفّ الواحد (أو للمعلّم الواحد) قد تزايدت بشكلٍ كبير جدّاً في الجامعات الحكومية، ذكوراً وإناثاً، خاصّة في الدول التي تشهد «التسونامي الشبابي» كمصر.
ما يعني أنّ الإنفاق الحكومي لم يتمكّن من اللحاق بالموجة الشبابيّة، ما جعل المجتمع يزيد من إنفاقه على التعليم المكمّل ومن التوجّه نحو الجامعات الخاصّة بشكلٍ كبير، خاصّة للنخب القادرة على هذا الإنفاق.
هناك إشكاليّة إذاً بالنسبة للدول المحدودة الموارد والكثيفة السكّان في كيفيّة توزيع وترشيد الإنفاق العام (أي على الجامعات الحكوميّة لأنّها ستبقى بطبيعة الحال هي المهيمنة) في لحظة من تاريخها تحتّم عليها الاستثمار في المستقبل.
وتفاصيل هذه الإشكاليّة هي في أعداد المدرّسين وأعداد الكليّات والجامعات ومناهج التعليم وتحديثها لمواكبة متطلّبات العصر.
بالتأكيد يخصّ الأمر التعليم العالي التقنيّ، وأيضاً مجالات العلوم الإنسانيّة التي يتواجد فيها معظم الطلاّب أو بالأحرى الطالبات. وهنا لا تكمن المشكلة في تعليم الطبّ البشريّ، بل في تعليم مجالات ما يسمّى الهندسة ويذهب اليوم من الإلكترونيّات إلى الكيمياء، وفي الرابط بين هذا التعليم والقطاعات الإنتاجية في البلاد.
والمشكلة أكبر في مجالات العلوم الإنسانيّة حيث قليلاً ما يتمّ تناول معضلات تعليم الشريعة والفلسفة والتاريخ بما يتناسب مع متطلّبات العصر والحاجة المجتمعية لها، وكيفيّة إصلاح مؤسسات التعليم العالي المعنيّة بها.
ومن المفيد التذكير أنّ الشهادة الثانويّة في كثير من البلدان المتقدّمة تتضمّن منهاج فلسفة، وأنّ سؤال هذه المادّة في الامتحان الوطني يمثّل حدثاً إعلاميّاً كبيراً، له دلالاته على الاهتمامات الإنسانيّة الراهنة، في حين لا يجد خريجو الفلسفة القليلون في أغلب البلدان العربيّة مهنةً لهم وفي حين يحتاج الانتقال من العلم إلى المعرفة نهج تفكير، أي فلسفة.
هناك أيضاً إشكاليّة في الجامعات الخاصّة، التي هي في أغلبها جامعات أجنبيّة. ليس فقط أنّها متاحة للنخب الثريّة من جرّاء كلفها الباهظة، إلاّ أنّها لا تتساوى جميعها من حيث إرثها التاريخيّ، كبعضها في لبنان ومصر، ومن حيث انخراطها في واقع المجتمع المتواجدة فيه.
بالطبع يُمكن أن يكون العلم فيها جيّداً، ولكنّها مع الانتشار الكبير للمدارس الخاصّة الأجنبيّة، يُمكن أن تُنتج نخباً لا تتكلّم حتّى لغة بلادها بشكلٍ جيّد، وتعيش حالة غربةٍ عن مجتمعاتها.
يُمكن أن تكون فرص العمل مفتوحة أمامها خاصّة في الشركات المعولمة، ولكنّ بيت القصيد هو إنتاج القيمة المضافة، اقتصادياً ومعرفيّاً، وطنيّاً ومحليّاً.
هناك حاجة لنقل الخبرة والعلم من البلدان المتقدّمة نحو البلدان النامية. إلاّ أنّ المعرفة تنبني على الواقع الإنسانيّ والمجتمعيّ، وبالأحرى الواقع الإنساني المحيط . وبالتالي تنطرح إشكاليّة الاستثمار على توطين المعرفة في الجامعات الخاصّة كما في الجامعات الحكوميّة.
الضغط الديموغرافي على التعليم الجامعي في بلدان «التسونامي الشبابي» هو ذاته المطروح على سوق العمل. وإشكاليّة معدّلات البطالة المرتفعة للمتعلّمين الجامعيين هي ذاتها للشباب بشكلٍ عام، وللشابّات بشكلٍ خاصّ.
جزءٌ منها يكمن في التعليم، ولكنّ الجزء الأكبر يكمن في عدم قدرة اقتصادات البلد على استيعاب القادمين الجدد، وعدم وجود سوق عمل بالمعنى المؤسساتي للتعبير. بالتالي هناك إشكاليّة في هجرة النخب المتعلّمة قد تصل إلى نسب كبيرة في بلدان مثل لبنان، ما يطرح حثيثاً مسألة مراكمة رأس المال البشريّ.
لكنّ اللافت أنّ موضوعي التعليم العالي والمعرفة يُطرحان في كلّ بلدٍ عربيّ على حدة مع مقارنات ليست في مكانها لمدى ارتباط القدرة على الولوج إلى التعليم والمعرفة بحصّة الفرد من الناتج المحليّ. هذا مع أنّ أسواق العمل في البلدان العربيّة مترابطة بالنسبة للمتعلّمين، بين دول الخليج ودول المشرق، وحديثاً مع دول المغرب. ما يدفع إلى طرح السؤال حول إمكانيّة مقاربة الموضوعين وطنيّاً وليس قوميّاً؟.
منذ فترة ليست ببعيدة، كان جزء ملحوظ من طلاّب الجامعات الحكومية في سوريا كما في مصر ينتمون إلى دول عربيّة أخرى. وهكذا كان حال الجامعات الخاصّة الأجنبيّة في بيروت. كذلك كان أساتذة الجامعات يذهبون للتعليم في الدول الأخرى.
وقد ساهم هذا الواقع في خلق فضاء عربيّ على صعيد الهويّة والمعرفة. إلاّ أنّ هذا الأمر بدأ يتقلّص، وبدأت المناهج التعليميّة تبتعد عن بعضها البعض، وحتّى المصطلحات التقنيّة ومناهج الفلسفة والشريعة والتاريخ.
هذا في حين أضحى شبه إلزاميّ في معظم الجامعات الأوروبيّة التي لا تتشارك اللغة الواحدة أن يقضي المتعلّم سنة دراسيّة في جامعة بلدٍ آخر، كعنصرٍ أساس لترسيخ الاندماج الأوروبيّ.
بالتالي هناك مأخذ على كافّة المؤشّرات التي تصدر حول التعليم العالي والمعرفة العربيّة، أنّها لا تهتمّ بقياس درجات الاندماج العربيّ. فهل تكمُن التنافسيّة في مقارنة مؤشّرات الدول ذات الاختلاف الشديد في حصّة الناتج المحلّي للفرد؟ أم تأتي من نسب تناقل الأساتذة والطلاب سويّة بين الجامعات العربيّة؟
*رئيس منتدى الاقتصاديين العرب


