يبدو العالم حالياً، وكأنه يوشك على الخضوع لـ«تحول كبير» آخر، في ظل تغيرات أعمق كثيراً من الأحداث الاقتصادية أو الجيوسياسية الرئيسة الجاذبة للاهتمام الإعلامي حول نهضة آسيا الاقتصادية أو الحرائق في الشرق الأوسط.

خصائص التحول الوشيك قد تتضمن ثورات في التكنولوجيا الحيوية والرقمية وتكنولوجيا النانو، جنباً إلى جنب مع ثورة الشبكات الاجتماعية التي تزيل الحواجز الجغرافية والثقافية.

غير أن الأمر الواضح بالفعل هو أن هذا التحول، مثله كمثل التحولات السابقة، سوف ينطوي على تغيير جوهري في كل علاقاتنا الاقتصادية والعلاقات الاجتماعية التي تدعمها. يقدم لنا اقتصاد التيار السائد تحليلاً بسيطاً ومباشراً لمثل هذا التحول.

فكلما سمحت التغيرات التكنولوجية أو غيرها من التغيرات بتعويض الناس عن الفوائد التي يمنحونها بعضهم لبعض (مع خصم التكاليف)، يصبح من الممكن أن يعدل نظام السوق القائم على الأسعار نفسه.

وعندما تخلق التغيرات عوامل خارجية، تصبح إعادة الهيكلة الاقتصادية مطلوبة ــ ولنقل على سبيل المثال، إدخال تعديلات على النظام الضريبي، أو إعانات الدعم، أو التحولات التنظيمية، أو تحسين حقوق الملكية ــ للتعويض عن التكاليف والفوائد التي لا تستطيع السوق التعويض عنها.

ويستند هذا النهج إلى افتراض مفاده أنه إذا تم تعويضهم بالكامل عن الفوائد الصافية التي يمنحونها لآخرين، فإن الأفراد الذين يسعون إلى تحقيق مصالحهم الخاصة سوف ينقادون، «وكأن يداً خفية تحركهم» على حد تعبير آدم سميث، إلى خدمة المصلحة العامة أيضاً.

ووفقاً لهذا الرأي، فإن كل شخص يعتبر إنساناً اقتصادياً عاقلاً: شخصاً فردانياً عقلانياً بالكامل ومدركاً لمصلحته الذاتية. ولكن كما تُظهِر «التحولات الكبرى» السابقة، فإن هذا النهج غير كافٍ، لأنه يهمل الأسس الاجتماعية لاقتصاد السوق.

ففي مثل هذا الاقتصاد، يميل المتعاقدون إلى احترام عقودهم طواعية، وليس من خلال الإنفاذ القسري. وما يحمل هذا الاقتصاد على أداء وظيفته على النحو اللائق ليس رجل شرطة يحمي كل متجر، بل ثقة الناس ونزاهتهم ومشاعر الأخوة والرفقة التي تدفعهم إلى احترام الوعود والانصياع للقواعد السائدة.

* رئيس معهد كيل للاقتصاد العالمي، وأستاذ الاقتصاد في جامعة كيل