يبدو أن القرارات السياسية التي اتخذها رئيس الوزراء الياباني شينزو آبي ــ زيادة الحافز النقدي بشكل كبير، وتأجيل زيادة الضريبة الاستهلاكية، والدعوة لإجراء انتخابات مبكرة ــ أعادت اليابان إلى صدارة مناقشة سياسية محتدمة.
والمشكلة التي تدور حولها هذه المناقشة بسيطة: كيف قد تتمكن الاقتصادات المتقدمة التي أصابتها الشيخوخة من إحياء النمو بعد الخروج من أزمة مالية؟ ولكن الحل ليس بسيطا.
لقد بات من الواضح الآن أن الجولة الأولى من إصلاحات آبي ــ المعروفة باسم «آبينوميكس» ــ فشلت في توليد التضخم المستمر. والآن انهارت آمال التعافي المستمر بعد ربعين متتاليين من النمو السلبي. والسؤال الآن هو ما إذا كانت إصلاحات «أبينوميكس 2» قادرة على إعادة الاقتصاد الياباني إلى المسار الذي يقوده إلى الازدهار المتجدد.
إن «الأسهم الثلاثة» في جعبة إصلاحات آبي الأولى حددت أهدافها بدقة: «القيام بكل ما يلزم»، استخدام السياسة النقدية لاستعادة التضخم، والسياسة المالية الداعمة والإصلاحات البنيوية لتعزيز النمو الطويل الأجل. ولكن برغم أن البنك المركزي في عهد المحافظ هاروهيكو كورودا وفّى بجانبه من الصفقة، فإن «السهمين» الآخرين لم يصيبا هدفيهما.
فلم يتحقق تقدم يُذكَر في إصلاحات جانب العرض، وخاصة في ما يتصل بالقضية الأساسية المتعلقة بكيفية توسيع القوة العاملة.
ففي ظل الشيخوخة السكانية وتراجع عدد السكان، يتعين على الحكومة اليابانية أن تجد السبل الكفيلة بتشجيع المزيد من النساء على العمل، وحث اليابانيين الأكبر سناً على البقاء في قوة العمل، وتطوير المزيد من سياسات العمل الداعمة للأسرة. وفي المقام الأول من الأهمية، تحتاج اليابان إلى خلق بيئة أكثر ترحيباً بالعمال المهاجرين.
وقد حدث بعض التحرك على مسار الهجرة. فبفعل الذعر إزاء المواعيد النهائية لدورة الألعاب الأوليمبية الصيفية التي ستستضيفها طوكيو في عام 2020، تمكنت الحكومة من إقرار استقدام عمال البناء الأجانب (ولو أن القرار تطلب الحصول على موافقة نحو ست وزارات). ولكن التقدم كان بطيئاً في الإجمال.
عندما سألت أصدقائي الأكاديميين اليابانيين لأول مرة عن إصلاحات آبي لجانب العرض، أجابوا قائلين «لا تقلق، إنها قادمة». وبعد فترة كانت إجابتهم: «لا تقلق، إنها قادمة ولكن ببطء». ومؤخرا، تغيرت الإجابة إلى «لا تقلق، لا زلنا نعتقد أنها قادمة». ولا نملك إلا أن نتمنى ذلك.
ففي غياب الإصلاحات البنيوية، وخاصة إصلاحات سوق العمل، لن تتمكن إصلاحات آبي من إحراز النجاح في الأمد البعيد.
لم يكن توقيت زيادة الضريبة الاستهلاكية في إبريل 2014 (من 5% إلى 8%) مناسبا. ولكن ما كان من السهل أن يؤجل آبي هذه الخطوة، نظراً لتثبيتها بفعل اتفاق سياسي واسع النطاق تم التوصل إليه قبل توليه منصبه.
ولكن الحكومة كان بوسعها أن تقدم حوافز مالية أكثر قوة لمواجهة التأثيرات القصيرة الأجل المترتبة على هذه الزيادة. وبدلاً من هذا، خَلَّف ربعان متتاليان من النمو السلبي تأثيراً نفسياً محبطا.
صحيح أن الركود وهم محض في جزء منه: ذلك أن طفرة الرواج السابقة كانت تتغذى على جهود الأسر اليابانية للتغلب على الضريبة من خلال المشتريات المبكرة للسلع الاستهلاكية المعمرة ــ وهو الفارق البسيط الذي يبدو أنه ضاع في المناقشة العامة. ولكن الصورة الكاملة تظل على حالها: فقد فشلت إصلاحات آبي حتى الآن في الالتفاف حول العقلية الانكماشية.
علينا أن نضع نصب أعيننا أن دين الحكومة الهائل وأصول التقاعد التي تعاني من نقص واضح تمثل مشكلة ضخمة، ولن ينصح بتجاهلها غير أكثر أتباع جون ماينارد كينز تهوراً وفظاظة. في الوقت الحالي، لا تزال المخاطر نظرية، حيث أسعار الفائدة على السندات الحكومة لعشر سنوات أقل من 0.5%.
ولكن أن نقول إن ديون اليابان لا تشكل أهمية أشبه بأن نقول إن صندوق التحوط الذي يعتمد على الروافع المالية بشكل كبير آمن تماما؛ فقد تكون المخاطر بعيدة، ولكنها ليست تافهة. ولنتأمل هنا ما قد يحدث إذا تمكن بنك اليابان فعلياً من إقناع عامة الناس بأن التضخم سوف يبلغ في المتوسط 2% على أساس مستدام، فهل تظل أسعار الفائدة لعشر سنوات عند مستوى 0.5%؟
وماذا لو أدت عوامل أخرى إلى ارتفاع حاد في أسعار الفائدة الحقيقية العالمية، أو ارتفاع علاوة المخاطر على الديون اليابانية؟ تستطيع اليابان أن تتحمل مثل هذه الصدمات من دون معدلات تضخم مرتفعة أو غير ذلك من التدابير المتطرفة.
الحق أن تجربة اليابان تحمل دروساً مهمة لأوروبا، وأكثر هذه الدروس أهمية أن سياسات التحفيز، برغم كونها ضرورية في الأمد القريب لدعم الطلب، لا يمكنها معالجة أوجه القصور البنيوية الطويلة الأمد. وإذا فشلت الجولة الثانية من إصلاحات آبي في احتضان الإصلاح البنيوي العميق، فلن تكون أكثر نجاحاً من سابقتها.
* كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقا، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد.