مثلها مثل أي سوق أخرى، فإن سوق الأفكار تحتاج إلى التنظيم: ويتعين على المشاركين في هذه السوق أن يتقيدوا بمعايير الصدق والأمانة والتواضع، كما يتعين على كل من يتداول فكرة أن يلتزم بهذه المبادئ.

لقد عمل الساسة على مر العصور على تلويث سوق الأفكار بالذم والطعن، ولكن من المدهش أن السياسة الأميركية حققت بعض التقدم، فوفقاً لدراسة أجراها مركز أننبيرج للسياسة العامة كانت السلوكات الفظة في الكونجرس في الأعوام الأخيرة أقل حدة مما كانت عليه في تسعينيات أو أربعينيات القرن العشرين.

وتبدو الأوساط الأكاديمية وكأنها على النقيض من ذلك تتحرك في الاتجاه المعاكس، فالواقع أن «العلوم الاجتماعية»، شأنها شأن العلوم الاقتصادية، من المفترض أن تكون متحررة من التحيز الحزبي. ورغم هذا فإن خبراء الاقتصاد الآن يتعرضون بشكل روتيني لهجمات غير موضوعية ومهاترات تحريضية.

مهما بلغ أهل الاقتصاد من قوة فإنهم لا يكتسبون قوة أو نفوذاً أعتى كثيراً من قوة ونفوذ بول كروجمان. إن كروجمان الحائز جائزة نوبل، والأستاذ بجامعة برينستون يعمل أيضاً كاتباً في صحيفة نيويورك تايمز، وتُقرأ مقالاته ومدونته على الإنترنت «ضمير ليبرالي» بحماسة شبه دينية من قِبَل خبراء اقتصاد وصحافيين ليبراليين (بالمعنى الأميركي) في مختلف أنحاء العالم.

وكما تدرب المؤرخون، فقد أقمت حجتي إزاء كروجمان على المحفوظات الثابتة. وبالاقتباس من كتاباته السابقة، أثبت أولاً أن مزاعمه المتكررة بأنه كان «محقاً في كل شيء» في تعليقه على الاقتصاد زائفة، فرغم أنه أشار (كما فعل كثيرون آخرون) في عام 2006 إلى فقاعة الإسكان آنذاك، فإنه لم يتنبأ بسلسلة من ردود الأفعال التي أججت الأزمة العالمية.

وبعد فشله في توقع الأزمة في الولايات المتحدة، تنبأ على نحو غير صحيح بالتفكك الوشيك للاتحاد النقدي في أوروبا، ونشر أكثر من عشرين بيان حول هذا الموضوع في عامي 2011 و2012. وهو لم يعترف قط بهذه الأخطاء؛ بل وبالغ في التباهي ببصيرته الثاقبة بأثر رجعي.

 

* أستاذ التاريخ في جامعة هارفارد. وأحدث مؤلفاته كتاب بعنوان «الانحطاط الأعظم».