خلال العقود الأخيرة، ازدادت فجوة التفاوت في الدخل في الولايات المتحدة، ولا يُظهِر الاتجاه الحالي أي إشارة إلى التراجع.
كانت المرة الأخيرة التي شهدت ارتفاع التفاوت إلى المستويات التي نراها الآن قبل أزمة الكساد الأعظم مباشرة. والواقع أن مثل هذه المستويات المرتفعة من التفاوت بين الناس غير متوافقة مع القواعد المعمول بها للعدالة الاجتماعية والمساواة في الفرص؛ كما أنها تشكل تهديداً خطيراً للاقتصاد الأميركي والديمقراطية.
الواقع أن السبب الرئيسي وراء تراجع ثروات أبناء الطبقة المتوسطة في أميركا يرجع إلى تباطؤ نمو الأجور. فبعد أن بلغ ذروته في أوائل سبعينيات القرن العشرين، أصاب الركود متوسط الدخل الحقيقي (المعدل تبعاً للتضخم) للعاملين بدوام كامل بين سن 25 و64 عاماً، ويرجع هذا جزئياً إلى تباطؤ نمو الإنتاجية وجزئياً إلى الفجوة المتزايدة الاتساع بين الإنتاجية ونمو الأجور.
وقد انهارت معدلات الادخار الشخصي، وارتفعت الديون الائتمانية وديون الرهن العقاري إلى عنان السماء، مع محاولة الأسر ملاحقة عادات الاستهلاك بين الأثرياء.
ولبعض الوقت، لم يتسبب اتساع فجوة التفاوت في الدخول في إبطاء نمو الاستهلاك؛ بل إن ضغوط «تقاطر الاستهلاك إلى الأسفل» عملت على تعزيز المزيد من الإنفاق الاستهلاكي، والمزيد من الاستدانة، والمزيد من حالات الإفلاس، والمزيد من الإجهاد المالي بين الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخل.
ثم جاءت لحظة الحساب مع الأزمة المالية في الفترة 2007-2008. ومنذ ذلك الحين، كان نمو الاستهلاك الكلي هزيلا، مع اضطرار الأسر المتوسطة والمنخفضة الدخل إلى الحد من الاقتراض والمسارعة إلى سداد الديون، وفي كثير من الأحيان عن طريق التخلف المؤلم عن سداد أقساط السكن ــ الذي يشكل الأصل الأولي (والوحيد غالبا) لدى هذه الأسر.
وبسبب اضطرار هذه الأسر إلى شد الأحزمة، أصبحت وتيرة الإنفاق الاستهلاكي والنمو الاقتصادي أكثر اعتماداً على أصحاب الدخول في الشريحة العليا من توزيع الدخول. ومنذ انتهاء الركود في عام 2009، ازداد الإنفاق الاستهلاكي الحقيقي من قِبَل أعلى 5% بين شرائح الدخل بنسبة 17%، مقارنة بنحو 1% فقط من قِبَل أدنى 95% بين شرائح الدخل.
وقد عمل نمط التعافي على تعزيز اتجاهات أطول أمدا. ففي عام 2012 كان أعلى 5% دخلاً يمثلون 38% من الإنفاق الاستهلاكي الشخصي، مقارنة بنحو 27% في عام 1995. وخلال تلك الفترة، انخفضت حصة استهلاك أدنى 80% من أصحاب الدخول من 47% إلى 39%.
وبالنظر إلى المستقبل، فإن فجوة التفاوت المتزايدة الاتساع في الدخول وركود الدخول بين غالبية الأميركيين يعني ضَعف الطلب الكلي وتباطؤ النمو. والأمر الأكثر أهمية هو أن التفاوت في الدخول يقيد النمو الاقتصادي على جانب العرض من خلال تأثيراته السلبية على فرص التعليم وتنمية رأس المال البشري.
إن أطفال الأسر المنخفضة والمرتفعة الدخل يولدون بقدرات متماثلة. ولكن فرصهم التعليمية تتباين للغاية، حيث تتضاءل احتمالات حصول أطفال الأسر المنخفضة الدخل على التعليم في مرحلة الطفولة المبكرة، في حين ترتفع احتمالات التحاقهم بمدارس تعاني من نقص الموارد والتي تزودهم بتعليم أساسي أقل جودة، ومن غير المرجح أن يتمكن هؤلاء الأطفال من الالتحاق بالتعليم الجامعي أو إتمامه.
وتشير بعض التقديرات إلى أن الفجوة اليوم أصبحت ضعف ما كانت عليه قبل عشرين عاماً. وبالتالي، أصبحت الولايات المتحدة عالقة في حلقة مفرغة: حيث يعمل اتساع فجوة التفاوت في الدخل على توليد المزيد من التفاوت في الفرص التعليمية، وهو ما يؤدي إلى توليد قدر أعظم من التفاوت في التحصيل التعليمي.
وهذا بدوره يترجم إلى مواهب بشرية مُهدَرة، وقوة عمل أقل تعليما، وتباطؤ النمو الاقتصادي، بل وحتى المزيد من التفاوت في الدخل.
وهكذا، يهيمن المال بشكل متزايد على النظام السياسي. وهي إشارة واضحة إلى أن التفاوت في الدخل ارتفع إلى مستويات تهدد النمو الاقتصادي، وكذلك صحة ديمقراطيتها.
* رئيسة مجلس مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الاقتصادية سابقاً، وأستاذة في كلية هاس لإدارة الأعمال بجامعة كاليفورنيا في بيركلي.

