بإمكان المرء أن يستخلص بسهولة أن العالم غارق في دوامة من انعدام الاستقرار، ولكن الشهر الماضي شهد بعض الأحداث التي تبعث على التفاؤل، حيث أصبح من الضروري أن نتوقف لدراسة تلك الأحداث من أجل تجنب الاستسلام للتشاؤم.

إن التوصل لاتفاقية مع إيران في ما يتعلق ببرنامجها النووي ما يزال من الأعمال العالمية التي لم تنته بعد.

لقد فشلت المفاوضات في فيينا في التوصل لصفقة تعتبر حيوية للغاية بالنسبة إلى الاستقرار الإقليمي والعالمي، ولكن الأجواء كانت إيجابية، فإيران أوفت بالتزاماتها بموجب الاتفاقية المؤقتة، والدول الست أظهرت رغبة بإنهاء العقوبات، والآن فإن الموعد النهائي لإنهاء المفاوضات قد تم تمديده إلى يونيو 2015. الغرب لديه فرصة فريدة من نوعها، فتحقيق صفقة ضروري من أجل تجنب صراع جديد وكارثي في الشرق الأوسط.

إن المفاوضات والدبلوماسية هما الطريقتان الوحيدتان لتسوية المسألة الإيرانية النووية على المدى الطويل، ومن أجل تطبيع الدور الحيوي لإيران في الأمن الإقليمي.

لقد كانت هناك تطورات عدة واعدة أخرى في نوفمبر. إن المفوضية الأوروبية الجديدة التي تولت مهام منصبها في الأول من نوفمبر، استهلت تفويضها بخطة لتعزيز الاستثمار العام والخاص بقيمة 315 مليار يورو (392 مليار دولار أميركي) خلال السنوات الثلاث المقبلة، كما اعتمدت دول مجموعة العشرين في بريزبين حزمة من الإجراءات الاقتصادية لتعزيز النمو الاقتصادي العالمي بنسبة 2،1 نقطة مئوية بحلول سنة 2018 م.

إن القادة العشرين صادقوا كذلك على مبادرة البنية التحتية العالمية التي ستخلق محطة بنية تحتية عالمية لتصبح منصة لتبادل المعلومات بالنسبة إلى الحكومات والقطاع الخاص وبنوك التنمية والمنظمات الدولية.

قمة التعاون الاقتصادي لآسيا- المحيط الهادي في بيجين توصلت لاتفاقيات مهمة عدة كذلك، فعلى رأس القائمة يأتي الإعلان عن صفقة مناخ ثنائية أميركية – صينية، سوف تساعد على تمهيد الطريق لقمة الأمم المتحدة الحاسمة عن التغير المناخي في باريس في العام المقبل، ولو تبنت الهند موقفاً مماثلاً فإن الأمل سوف يصبح أقوى.

إن صندوق المناخ الأخضر التابع للأمم المتحدة، قد تم دعمه بتعهدات بتمويل إضافي، ما يعتبر خطوة مهمة للغاية في الطريق إلى باريس. إن الصندوق الممول من الدول المتقدمة مصمم لمساعدة الدول النامية على تحمل تكاليف التخفيف من آثار التغير المناخي والتأقلم معه.

لقد تعهدت الولايات المتحدة الأميركية بدفع مبلغ 3 مليارات دولار أميركي، كما وعدت اليابان بدفع 1،5 مليار دولار أميركي، ما يعزز من التعهدات السابقة لفرنسا وألمانيا، علماً أن هذا التمويل ضروري من أجل التحقق من المشاركة الناجحة للدول النامية في قمة الأمم المتحدة عن التغير المناخي في باريس.

الاتحاد الأوروبي أيضاً يتطلع قدماً لباريس، وذلك بعد موافقة المجلس الأوروبي على إطار 2030 المتعلق بالسياسات المناخية وسياسات الطاقة المقدم من المفوضية الأوروبية. لقد تم تحديد الأهداف من أجل تخفيض انبعاثات غاز الدفيئة وزيادة نسبة مصادر الطاقة المتجددة في مزيج الطاقة الأوروبي وتعزيز فعالية الطاقة والترويج للربط الكهربائي بين الدول الأعضاء.

لقد توصلت الصين والولايات المتحدة الأميركية لصفقه ثنائية أخرى في قمة التعاون الاقتصادي لآسيا- المحيط الهادي والتي سوف تساعد في إزالة العوائق للتوصل لاتفاقية منظمة التجارة العالمية المتعلقة بتقنية المعلومات، ما يعني إزالة الرسوم الجمركية المتعلقة بتقنية المعلومات والاتصالات.

لقد قدرت إدارة أوباما أنه عند تطبيق الاتفاقية- التي تم تجميدها لمدة عام أثناء سعي الصين لحماية صناعتها المحلية – فإنها سوف تزيد الناتج المحلي الإجمالي العالمي بمقدار 190 مليار دولار أميركي.

الرئيس الصيني شي جينبينج أعلن في القمة نفسها خطوات تجاه التوصل لاتفاقية تجارة حرة تشمل 17 دولة عضواً في آسيا-المحيط الهادي.

إن مثل هذا التعاون التجاري هو بمثابة هدية تحتاجها الدبلوماسية في المنطقة بشدة، حيث تعيش تحت ضغوط جيوسياسية دائمة، وفي الوقت نفسه فإن الشراكة عبر المحيط الهادي والتي تدعمها الولايات المتحدة الأميركية قد أحرزت تقدماً في بيجين، وعلى الرغم من أنه ينظر إلى المشروعين على أنهما خصمان بسبب غياب الصين عن الشراكة عبر المحيط الهادي، فإن المبادرتين يمكن أن تكملا بعضهما البعض. لو سادت الرؤية الاستراتيجية فإن ذلك سوف يعزز الاستقرار في آسيا.

الكلام نفسه ينطبق على الشرق الأوسط، حيث تمخض اجتماع لم يكن مقرراً لمجلس التعاون الخليجي في نوفمبر عن نتائج طيبة غير متوقعة، فالسعودية والبحرين والإمارات العربية المتحدة التزمت بعودة سفرائها إلى قطر بعد غياب استمر لثمانية أشهر.

أما في تونس، فإن حكومة التكنوقراط التي تولت مهام الحكم لأشهر عدة قد تم استبدالها بشكل ديمقراطي، وفي الانتخابات البرلمانية التي عقدت في نهاية أكتوبر أحرز الحزب العلماني «نداء تونس» نصراً على حزب النهضة الإسلامي، وبعد ذلك بشهر توجه التونسيون إلى صناديق الاقتراع لانتخاب رئيس لأول مرة منذ الإطاحة بالرئيس زين العابدين بن علي سنة 2011. ما تزال تونس منارة للأمل في المنطقة.

وإن بزوغ حكومة ائتلافية يظهر أن النموذج المدمر المتمثل في أن الرابح يأخذ كل شيء في السياسة الشرق أوسطية يمكن كسره، وان بالإمكان تقاسم السلطة.

أما في القدس، فلقد سلطت التوترات المتصاعدة المتعلقة بالأماكن المقدسة الضوء على صعوبة تحريك مسيرة السلام الإسرائيلية –الفلسطينية للأمام، ومع تصاعد الهجمات العنيفة في المدينة المقدسة عند الطرفين، فإن الصراع بدأ يأخذ منحى دينياً بشكل متزايد.

وفي هذا السياق فإن الاقتراح التشريعي للحكومة الإسرائيلية بتعريف إسرائيل كدولة للشعب اليهودي – ما يعطي تفضيلاً للهوية اليهودية للدولة على هويتها الديمقراطية ويعرض حقوق الأقليات للخطر- هو اقتراح له أثر ضار على وجه الخصوص.

أنا أعتقد اليوم ـ وأكثر من أي وقت مضى ـ أن بإمكان مسيرة السلام أن تأخذ منعطفاً جديداً لو اعترف الاتحاد الأوروبي بشكل رسمي بفلسطين والذي يستمر بدعم المؤسسات الانتقالية فيها. إن فعالية مثل هذا الإجراء المشترك كانت ظاهرة بشكل مرحب به في نوفمبر، وينبغي علينا أن نسعى للمحافظة على ذلك الزخم.

 

* الممثل الأعلى في الاتحاد الأوروبي للسياسة الخارجية والأمن سابقاً، والأمين العام لحلف الناتو ووزير خارجية إسبانيا سابقاً، ويعمل حالياً رئيساً لمركز ايساد للاقتصاد العالمي والشؤون الجيوسياسية، وزميل مميز في معهد بروكنجز.