الناس يدخنون طلباً للنيكوتين، ولكنهم يموتون بسبب الدخان. والواقع أن الغالبية العظمى من الأمراض والوفيات المرتبطة بالسجائر تنشأ من استنشاق جزيئات القطران والغازات السامة، بما في ذلك أول أكسيد الكربون. ورغم أن العلاج ببدائل النيكوتين ساعد العديد من المدخنين على الإقلاع، فإن عادة تدخين السجائر تظل منتشرة في العديد من البلدان.
إن استخدام النيكوتين في أشكال غير قابلة للاشتعال، مثل التبغ الذي لا يدخن، أو مبخار النيكوتين الشخصي، من شأنه أن يمكن الملايين من المدخنين الحاليين من التقليل إلى حد كبير من الضرر الذي يحدثه استهلاك النيكوتين بصحتهم. ففي السويد، الاستخدام الواسع الانتشار لتبغ السنوس وهو نوع لا يدخن من التبغ يتم إنتاجه بتركيز أقل لمادة النتروزامين المسرطنة، قد أسهم في تراجع كبير في حالات الإصابة بسرطان الرئة، إلى أدنى المستويات في العالم.
لابد أن فوائد التخلص التدريجي من استهلاك التبغ تعد شديدة الإقناع. ولهذا السبب فلابد من الترويج النشط لوسائل مثل السيجارة الإلكترونية كبديل لمنتجات التبغ، بالاستعانة بموافقات من السلطات الصحية، وتقديم مزايا ضريبية، فضلاً عن الحصول على الدعم من حركة مكافحة التدخين.
بيد أن أياً من هذا لم يحدث حتى الآن، ويرجع الأمر بدرجة كبيرة إلى اعتبار النيكوتين مادة سامة مسببة للإدمان، مع تردد المدخنين في تجربة العلاج ببدائل النيكوتين أو مبخار النيكوتين الشخصي لهذا السبب.
والواقع أن النيكوتين كان الهدف الرئيسي لحملات مكافحة التبغ لأكثر من ثلاثة عقود من الزمان. ولكن النيكوتين مسؤول بشكل جزئي فقط عن الاعتماد على التبغ. فهناك مواد أخرى من دخان التبغ ــ مثل مثبطات الأكسيداز الأحادي الأمين..
والتي تخلف تأثيراً مضاداً للاكتئاب ــ تعمل على تعزيز الاعتماد على التبغ، ولكنها تغيب عن النيكوتين المبخر. وربما لهذا السبب تشير استطلاعات مستخدمي مبخار النيكوتين الشخصي إلى أن النيكوتين أقل إحداثاً للإدمان في هيئته المتبخرة.
والواقع أن النيكوتين عقار آمن نسبياً بالجرعات التي يستنشقها المدخن، وتأثيره مماثل لتأثير الكافايين. وعلاوة على ذلك فإن المدخنين ومستخدمي مبخار النيكوتين الشخصي قادرون على التحكم بدقة، على أساس سحبة بسحبة، في جرعة النيكوتين التي يستهلكونها، وهو ما يستبعد فعلياً خطر الجرعة الزائدة.
الواقع أن الجرعة القاتلة من النيكوتين أعلى كثيراً من 30 إلى 60 مليجرام كما يدعي العديد من الأبحاث العلمية. فبعد استعراض تقارير حالات التسمم ومحاولات الانتحار بالنيكوتين..
وجد الصيدلاني بيرند ماير أن الجرعة القاتلة من النيكوتين في البشر لابد أن تكون بين 500 إلى 1000 مليجرام من النيكوتين الممتص ــ وليس الذي يتناوله المتعاطي. ولأن التقيؤ أحد أول أعراض التسمم، وأن 70% من النيكوتين المتبقي في الجهاز الهضمي يستقلب بواسطة الكبد قبل أن يصل إلى أجهزة الجسم الأخرى، فإن امتصاص ذلك القدر الكبير من النيكوتين ليس بالأمر السهل.
وبهذا الحد الأدنى من المخاطر الصحية مقارنة بتدخين التبغ، فإن استخدام مبخار النيكوتين الشخصي يواجه عائقاً حقيقياً واحداً: استعداد المدخنين للتبديل. ولكن حتى على هذه الجبهة، سجل الجهاز نجاحاً كبيراً، حيث تزايد استخدام مبخار النيكوتين الشخصي بشكل مطرد في السنوات القليلة الأخيرة.
ورغم أن الناس في عالم مثالي يمكنهم ببساطة الإقلاع عن استخدام النيكوتين تماماً، فإن التجارب تشير إلى أن العديد من المدخنين يعجزون عن ــ أو لا يرغبون في ــ الإقلاع عنه، وسوف يستمرون في التدخين في حالة غياب بدائل آمنة ومقبولة. وإذا كان المدخنون على استعداد لتقبل وسيلة مثل مبخار النيكوتين الشخصي (السيجارة الإلكترونية) كخيار ممكن، فإن استخدام التبغ المحفوف بالمخاطر من الممكن أن يصبح شيئاً من الماضي.
حتى الآن، كان زمام المبادرة بأيدي المدخنين المتحولين في الترويج للتحول إلى السجائر الإلكترونية، والذين يتقاسمون تجاربهم مع الناس على المنتديات وصفحات فيسبوك وتويتر على شبكة الإنترنت. فهم ينشرون الخبر بأن الناس لأول مرة في التاريخ أصبحوا قادرين على الإقلاع عن التدخين والتخلي عن المتعة التي يستمدونها من النيكوتين.
ولكن في الوقت نفسه، تبنت السلطات الصحية والحكومات نهجاً قائماً على الخوف، فسارعت إلى تنظيم ــ أو حتى حظر ــ السجائر الإلكترونية. وتخطط توجيهات منتجات التبغ، وهيئة تنظيم الأدوية ومنتجات الرعاية الصحية في المملكة المتحدة لفرض قيود تنظيمية صارمة على بيع واستخدام السجائر الإلكترونية. وحتى منظمة الصحة العالمية أطلقت تقريراً يعرب عن قلقها الشديد إزاء تسويق واستخدام أنظمة تسليم النيكوتين الإلكترونية.
ذات يوم، قال راسل: «إن النيكوتين هو الذي لا يستطيع الناس التخلي عنه بسهولة». وكان محقاً. غير أن تدخين التبغ، وليس النيكوتين، هو الذي يقتل الناس. وهذا من شأنه أن يجعل السجائر الإلكترونية حلاً مثالياً. والآن حان الوقت لكي تتحرك السلطات الصحية في الاتجاه الصحيح.
* مستشار الصحة العامة والاعتماد على التبغ، ومحاضر فخري لدى مركز المملكة المتحدة لدراسات مكافحة التبغ في جامعة نوتنجهام.
