أحرزت الحملة الضخمة التي يشنها الرئيس الصيني شي جين بينج لمحاربة الفساد تقدماً ملموساً في تحقيق عدد من الأهداف الرئيسية: فقد قطعت شوطاً طويلاً نحو استعادة الثقة في التزام الحزب الشيوعي بالنظام القائم على الجدارة؛ وقاومت نمطاً دام لعقود من الزمان من هيمنة القطاع العام؛ وقلصت قدرة المصالح الخاصة على منع الإصلاح؛ وعززت شعبية شي جين بينج بين الجهات الفاعلة في القطاع الخاص، وإن كان نجاحها في التعامل مع البيروقراطية أقل وضوحاً إلى حد كبير.

باختصار، عملت الجهود التي يبذلها شي لاستئصال الفساد على تمكين الحزب والإصلاحيين. والسؤال الآن هو إلى أي مدى قد يذهب الحزب والإصلاحيون بطموحاتهم الإصلاحية.

من المؤكد أن شي لم ينته بعد، فقد وضع الخطوط العريضة لمجموعة من الإصلاحات القانونية في الجلسة المكتملة الرابعة للحزب الشيوعي في الشهر الماضي، بهدف خلق فرص أكثر تكافؤاً للقطاعين العام والخاص. وإذا نفذت على النحو الصحيح فإن هذه الإصلاحات من شأنها أن تخلق نظاماً أكثر كفاءة وفعالية في إنشاء وإنفاذ العقود، وتمهيد الطريق للداخلين إلى السوق، وتعزيز تطبيق قوانين المنافسة في الصين.

ومن شأن تعظيم الولاء لسيادة القانون أن يؤدي أيضاً إلى خلق بنية أساسية قانونية ومالية تعمل على الحد من الاحتيال في القطاع الخاص، بما في ذلك في إعداد التقارير المالية. وهذا، جنباً إلى جنب مع القدرة المتزايدة على الوصول إلى رأس المال، من شأنه أن يساعد في التعجيل بتطوير قطاع الخدمات، الذي يُعَد ضرورة لخلق فرص العمل في المناطق الحضرية.

وتحسين إدارة الأصول العامة الضخمة في الصين ــ والتي تشمل 3.5 إلى 4 تريليونات دولار من احتياطيات النقد الأجنبي، وحيازات كبيرة من الأراضي، وأغلبية في ملكية الشركات المملوكة للدولة، والتي تهيمن على الاقتصاد ــ من شأنه أن يكمل هذه الجهود. بل وقد يساعد في تعزيز المنافسة، وتشجيع الإبداع، وتعزيز النظام المالي، وتوسيع فرص الحصول على رأس المال.

والسؤال هو كيف قد تتمكن الصين من تحقيق هذا. في الوقت الحالي، يتبع اقتصاد الصين إلى حد ما نموذج المرتفعات المسيطرة اللينيني القديم، حيث يمتلك الحزب كل السلطة السياسية ويسيطر على الشركات والقطاعات الرئيسية، حتى في حين يدفع القطاع الخاص المزدهر عجلة النمو وتشغيل العمالة. وفي هذا السياق، يشكل هذا النوع من «المهنية القائمة على الجدارة» أهمية بالغة؛ ولكنه لا يصلح بديلاً للمنافسة الحقيقية في القطاع العام أو القطاع الخاص ــ على الأقل ليس عندما يكون الإبداع والتغيير البنيوي من بين الأهداف.

بطبيعة الحال، يستطيع شي أن يعلن ببساطة أن النسخة الصينية من رأسمالية الدولة كانت ناجحة في الماضي، وسوف تواصل نجاحها. ولكن التجربة مع ديناميكيات الاقتصاد الكلي في الاقتصادات المتقدمة (حيث تتجه الصين) تجعل هذا الموقف ضعيفاً ــ وهو بالتالي ليس بالموقف الذي من المرجح أن يتخذه شي.

والبديل هو الشروع في تنفيذ برنامج مستمر للخصخصة لتقليص جانب الأصول في ميزانية الدولة العمومية الضخمة. ولكن الميزانية العمومية في الصين خدمت ذلك الغرض، فمكنت المعدلات المرتفعة للغاية من الاستثمار والتي غذت النمو السريع. وفي الوقت نفسه، عانت اقتصادات متقدمة كثيرة بشدة بسبب تكوين ميزانياتها العمومية، جنباً إلى جنب مع أصول محدودة رديئة القياس وخصوم دين وغيرها بالغة الضخامة.

الواقع أنه في ضوء التوزيع غير العادل بشكل متزايد للدخول بين رأس المال والعمل (وأيضاً عبر طيف دخل العمالة) فإن المخزون الأكبر من الأصول له ما يبرره بكل تأكيد، حيث يعمل على معادلة توزيع رأس المال والثروة، ولو بشكل غير مباشر. ولا يمكن استخدام الأصول العامة لتخفيف الصدمات ومكافحة الاتجاهات السلبية فحسب؛ بل إنها قد تساعد أيضاً في تمويل التوسع في الضمان الاجتماعي.

والمشكلة في الصين ليست حجم الأصول التي تمتلكها الدولة، بل تَرَكُز هذه الأصول بين قِلة من الشركات والصناعات ــ وهو الموقف الذي يفرض مخاطر على الأداء الاقتصادي. ومن هنا فإن الحل المنطقي لا يكمن في التخلص من حيازات الدولة من الأصول بل في تنويعها بمرور الوقت.

وينطوي هذا النهج على عدد من الفوائد. فهو أولاً وقبل كل شيء كفيل بالتوفيق بين الميزانية العمومية الضخمة للدولة والدور المتوسع الذي تلعبه الأسواق، وتعزيز فرص العمل، وتحفيز الإبداع، ودفع عجلة تحول الاقتصاد بنيويا. ولتحقيق هذه الغاية، يشكل الاستثمار العام في البنية الأساسية ورأس المال البشري والقاعدة المعرفية والتكنولوجية للاقتصاد أهمية حاسمة.

وعلاوة على ذلك، فإن تنويع حيازات الصين من الأصول يعمل على تعميق أسواقها المالية بشكل كبير. وعلى مدى السنوات المقبلة، مع زيادة الحصة المتداولة أو القابلة للتداول من رسملة سوق القطاع المملوك للدولة من قاعدتها المنخفضة اليوم التي تتراوح بين 10% إلى 15%، فإن المزيد من المستثمرين المؤسسيين، مثل صناديق التقاعد وشركات التأمين، سوف تصبح مشارِكة في تجارة الأسهم الصينية، والتي يهيمن عليها حالياً مستثمرو التجزئة.

وسوف تستفيد أسواق الدين أيضاً من مثل هذه المبادرة. ذلك أن طمس الخط بين القطاعين الخاص والمملوك للدولة من شأنه أن يحد بمرور الوقت من الميزة التي يتمتع بها القطاع المملوك للدولة في الوصول إلى ــ والإفراط في استخدام ــ التمويل المصرفي، وهو ما من شأنه أن يؤدي إلى توسع أسواق سندات الشركات.

ومع امتلاك كيانات عامة مثل نظام الضمان الاجتماعي وصناديق الثروة السيادية للمزيد من محافظ الأصول المتنوعة، فإن الحوافز سوف تتضاءل بشكل كبير للتدخل في السوق على النحو الذي يحابي الكيانات القائمة التي تمتلك فيها الدولة حصة كبيرة. وهذا، جنباً إلى جنب مع تعزيز إنفاذ قانون المنافسة، من شأنه أن يقطع شوطاً طويلاً نحو تعزيز تكافؤ الفرص للجميع في الأسواق.

 

*حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد، وأستاذ الاقتصاد في كلية شتيرن لإدارة الأعمال بجامعة نيويورك، وكبير زملاء مؤسسة هووفر. وأحدث مؤلفاته كتاب «التقارب التالي: مستقبل النمو الاقتصادي في عالم متعدد السرعات».