يعتمد التقدم الاقتصادي على الإبداع. ولهذا، كان الخوف من «الركود العلماني» (الركود المادي الطويل الأمد) في الاقتصادات المتقدمة اليوم سبباً في حمل العديد من المراقبين على التساؤل عن الكيفية التي يمكن بها تحفيز الإبداع؟.

كانت إحدى الحجج البارزة التي سيقت أخيراً أن التحفيز الاقتصادي الكينزي (المتوافق مع رؤى جون ماينارد كينز) هو المطلوب، على سبيل المثال: الإنفاق بالاستدانة من النظام المصرفي. ذلك أن أكثر الناس إبداعاً هم النشطون وليس العاطلين عن العمل.

وهناك آخرون لا يرون أي علاقة بين التحفيز وتجديد الدينامية الاقتصادية. وعلى حد تعبير المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل مؤخراً، فإن أوروبا تحتاج إلى «الشجاعة السياسية والإبداع وليس المليارات من اليورو».

الواقع أننا في احتياج إلى الأمرين. فإذا كان لنا أن نشجع الدينامية فإننا نحتاج إلى التحفيز الكينزي وغير ذلك من السياسات التي تشجع الإبداع، وخاصة تلك السياسات التي تحض المؤسسات المالية الراسخة والإبداع الاجتماعي.

في كتابه الصادر في عام 2013 بعنوان «الازدهار الجماعي» يزعم إدموند فيلبس أننا في احتياج إلى تشجيع «ثقافة حماية وإلهام الحس الفردي، والخيال، والفهم، والتعبير عن الذات على النحو الذي يحرك الإبداع الأصيل في أي بلد».

وهو يعتقد أن الإبداع يختنق بفعل فلسفة عامة توصف بالتشاركية في إدارة الدولة، وأننا لن يتسنى لنا استعادة الحس الفردي والدينامية إلا من خلال الإصلاح الشامل لمؤسساتنا الخاصة، المالية منها وغير المالية.

وتاريخياً كان كتاب جوستاف لوبون في عام 1895 بعنوان «الحشد» حافزاً مهماً نحو الفِكر الشركاتي، فقد صاغ هذا الكتاب مصطلحات مثل «سيكولوجية الحشد» و«العقل الجمعي». ويرى لوبون أن «الفرد في الحشد» ــ ليس فقط جماهير الغوغاء الغاضبة في الشوارع، بل وأيضاً المجموعات المترابطة نفسياً من الناس ــ «يشكل حبة رمل وسط حبات أخرى من الرمال يتلاعب بها الريح كيفما يشاء».

ويعتقد لوبون أن الحشود تحتاج إلى زعماء أقوياء، لإبعادها عن جنونها الطبيعي وتحويلها إلى حضارات مزدهرة ونشطة ومتألقة. وقد استلهم موسوليني وهتلر من كتابه، وأدمجا أفكاره في الإيديولوجيتين الفاشية والنازية؛ ولم تمت تلك الأفكار بموت هذين النظامين.

فكما أكد لوبون، لا تستطيع الشعوب أن تقوم بأشياء عظيمة بسهولة كما يفعل الأفراد. فالشعوب تحتاج إلى العمل الجماعي داخل تنظيمات تعمل على إعادة توجيه السيكولوجية، وتسهيل الإبداع، ويقودها أناس يتمتعون بالنزاهة والاستقامة.

غير أن أياً من هذه التكنولوجيات التنظيمية عُرضة للخطأ وتحتاج إلى التجريب. فعندما بدأ موقع ويكيبيديا الذي يستعين بعمل مجموعات كبيرة من الناس في عام 2001، لم يكن نجاحه واضحا. حتى أن أحد مموليه، جيمي ويلز، وجد أنه أصعب من أن يُصَدَّق: «فمن المدهش أن تفتح موقعاً وتترك للناس العمل عليه».

وفي عام 2012، عندما وقع الرئيس الأميركي باراك أوباما على قانون دعم الشركات البادئة والذي سهل التمويل الجماعي الحقيقي للمشاريع، كان ذلك أيضاً بمثابة تجربة. وزعم العديد من المنتقدين أنه سوف يؤدي إلى استغلال المستثمرين السذج. وما زلنا لا نعلم ما إذا كان ذلك صادقا، أو إلى أي مدى قد تنجح التجربة.

 ولكن إذا لم ينجح قانون دعم الشركات البادئة، فلا ينبغي لنا أن نهجر الفكرة، بل علينا أن نحاول تعديلها. وفي نهاية المطاف، نحن في احتياج إلى مؤسسات اقتصادية تعمل على نحو ما على تعزيز التحركات الإبداعية المتضافرة من قِبَل قسم كبير من سكان العالم. ولا ينبغي لهذه المؤسسات أن تكون شركاتية ويهيمن عليها زعماء مركزيون، بل لابد أن تستمد قوتها من التحركات السائلة للحشود الحديثة.

 

*حائز على جائزة نوبل في علوم الاقتصاد لعام 2013، وأستاذ الاقتصاد في جامعة ييل، والمؤلف المشارك، مع جورج أكيرلوف، لكتاب «الغرائز الحيوانية: كيف تدفع سيكولوجية البشر الاقتصاد »