من المؤسف أن تكون الفرص الثلاث المهمة للنمو بفضل تحرير التجارة ــ جولة الدوحة للتنمية التابعة لمنظمة التجارة العالمية، والشراكة عبر المحيط الهادئ في منطقة آسيا والمحيط الهادئ، وشراكة التجارة والاستثمار عبر الأطلسي بين الولايات المتحدة وأوروبا ــ موضع إهمال. فإذا جاء تصميم هذه الفرص الثلاث على النحو الصحيح فإنها كفيلة بتحفيز النمو العالمي.

ومن خلال خفض الحواجز الجمركية وغير الجمركية، وحماية الملكية الفكرية، وتنسيق ومواءمة القيود التنظيمية، يصبح من الممكن توليد مئات المليارات من الدولارات من الناتج ــ والملايين من فرص العمل المجزية.

هذا هو الدرس المستفاد من اتفاقية التجارة الحرة لأميركا الشمالية (نافتا)، والتي تحتفل بعيد مولدها العشرين هذا العام. في الكتاب الذي توليت تحريره بعنوان «النافتا في العشرين» يفسر صناع السياسات والباحثون كيف تجسد هذه الاتفاقية المهمة فوائد تحرير التجارة ــ ولماذا يتعين على الزعماء السياسيين أن يلاحقوا هدف تحرير التجارة.

كان إلغاء التعريفات الجمركية بين كندا والمكسيك والولايات المتحدة مبدعاً ومحفوفاً بالمخاطر ومثيراً للجدال. وقد أصبحت الاتفاقية بمثابة الحاجز المانع للشكاوى حول العولمة والرأسمالية وانحدار العمل المنظم.وقد عززت من قوة اقتصادات الدول الثلاث الموقِعة وتحولت إلى نموذج لمئات من اتفاقيات التجارة الحرة اللاحقة.

كما ساعدت اتفاقية النافتا في فتح الاقتصاد الذي وصفه وزير التجارة المكسيكي جيمي سيرا بوشيه بأنه الاقتصاد الذي كان «مفرطاً في تدابير الحماية لخمسة أو ستة عقود من الزمان». والواقع أن الصادرات الزراعية الأميركية هددت بعض المزارعين المكسيكيين، ولكن غيرهم تمكنوا من تعزيز صادراتهم ــ وأرباحهم ــ إلى الولايات المتحدة.

كما استفادت كندا. فقد شهدت الشركات والعمال هناك ارتفاعاً في الإنتاجية بلغ 14%، وهو ما أدى إلى ما قَدَّرَه الخبير الاقتصادي دانييل تريفلر من جامعة تورنتو بما يعادل التحسن لمدة عقد من الزمان في مستويات المعيشة. ويقول وزير المالية الكندي السابق مايكل ويلسون: «لقد أصبح اقتصاد كندا اليوم أكثر حداثة مقارنة بما كان ليصبح عليه لولا ذلك».

وفي الوقت نفسه، أصبحت كندا والمكسيك أكبر سوقين لصادرات الولايات المتحدة، حيث مثلا مجتمعين 625 مليار دولار في عام 2013، وهو ما يزيد على الأسواق العشرة الأكبر التالية مجتمعة. وقبل النافتا، كانت الصادرات إلى المكسيك تعادل تقريباً الصادرات إلى المملكة المتحدة ونحو نصف ما كان يذهب إلى اليابان من صادرات.

لقد أنتجت اتفاقية النافتا شيئاً مختلفاً إلى حد بعيد عن الاستعانة بمصادر خارجية كما توقع معارضوها. ذلك أن نحو 40% من واردات الولايات المتحدة من المكسيك تنشأ في الولايات المتحدة في حقيقة الأمر.

والرقم بالنسبة لكندا نحو 25%. ولكن على النقيض من هذا، لا تتجاوز الحصة بالنسبة للصين 4%. ويفسر سيرا بوشيه هذا قائلاً: «نحن لا نتبادل بيع وشراء الأشياء فيما بيننا فحسب، بل إننا ننتج الأشياء الآن بشكل مشترك».

ووفقاً للخبير الاقتصادي لورنزو كاليندو من كلية الإدارة بجامعة ييل، فمن الممكن أن نعزو طفرة التجارة العابرة للحدود والزيادات في الأجور الحقيقية (المعدلة وفقاً للتضخم) في الدول الثلاث إلى النافتا ــ حتى عندما نضع في الحسبان عوامل أخرى مثل انفتاح الصين، وأزمة البيزو، وفقاعة الدوت كوم، والركود العظيم.

 وبوسع اتفاقية النافتا اليوم أن تستمر في العمل كنموذج للمفاوضات التجارية الجارية. ومن الممكن أن تركز اتفاقية النافتا 2 على المجالات التي كانت مستبعدة في الأصل، مثل حركة العمالة والطاقة. والواقع أن تطوير الرمال النفطية الكندية، وثورة طاقة الصخر الزيتي في الولايات المتحدة، تعني ضمناً التحول الجيوسياسي الأكبر منذ انهيار الشيوعية.

وقد روج الرئيس باراك أوباما لاتفاقية الشراكة عبر المحيط الهادئ في آسيا، ولكن أخيراً فقط طلب من الكونغرس منحه سلطة التفاوض السريع (القدرة على طلب التصويت في مجلسي الكونغرس من دون تعديلات).

وقوبل طلب أوباما بالرفض من قِبَل زعيم الأغلبية الديمقراطية في مجلس الشيوخ هاري ريد.وتقول هيلز: «ما كنا لنتوصل إلى أي سبيل لإتمام مفاوضات النافتا من دون الاستعانة بسلطة التفاوض السريع».

 

* أستاذ الاقتصاد في جامعة ستانفورد، وكبير زملاء معهد هوفر، كما تولى رئاسة مجلس مستشاري الرئيس جورج بوش الأب الاقتصاديين