تشكل الاتصالات وتقانات المعلومات فرصة تاريخية نادرة للدول العربية للنهوض بالتنمية الاقتصادية والاجتماعية. ولكن هل تستفيد دولنا حقّاً من هذه الفرصة؟

يُمكن استقراء الإجابة من دراسة مؤشر المعرفة الذي يصدره البنك الدولي انطلاقاً من مؤشّرات التعليم والابتكار ودرجة الولوج إلى هذه التقانات. وبالطبع يجب مقارنة ما يُمكن مقارنته، أي مقارنة مؤشر المعرفة لكلّ دولة مع تلك التي تشابهها عالمياً بالناتج المحلي للفرد، لا أن يُقارن من يملك الموارد مع لا يمتلكها.

عند ذلك، نرى أن نادرة هي الدول العربيّة التي تتخطى متوسط مثيلاتها العالميّة، وأنّ الدول العربيّة الثريّة ذات مؤشّر معرفة أدنى بكثير من معدلات مثيلاتها من حيث الناتج، في حين تقارب الدول المتوسطة الثراء المتوسط العالمي.

والأمر هو ذاته عندما يتمّ أخذ مؤشّر اقتصاد المعرفة بعين الاعتبار، أي مقياس مناخ البلد الذي يُمكن أن يسمح باستخدام المعرفة بشكلٍ أمثل لتنمية الاقتصاد، والذي يشمل التشجيع الاقتصادي والنظام المؤسساتي.

لا تنتج هذه المفارقة عن قلّة قدرة الموظفين والمؤسسات للنفاذ إلى تقانات المعلومات والاتصالات، بل إن معدلات هذا النفاذ جيدة نسبياً، مهما كانت درجة ثراء الدولة العربيّة المعنيّة. المشكلة إذاً ليست في أساسها مشكلة بنية تحتية، بل عن مدى مساهمة هذه البنية في إنتاج المعرفة أو اقتصاد المعرفة.

مع أن هناك عائقاً حقيقياً في ضعف انتشار خدمات الحزمة العريضة، أي الإنترنت السريع الواصل إلى المنازل والشركات، بسبب التأخّر التاريخي في نشر الشبكات الأرضيّة للهاتف الثابت قبل أن يأتي الهاتف الخلوي ويحل محلّها ويجعل نشرها غير اقتصاديّ. ولكن حتى في الدول التي تم فيها نشر شبكات الاتصالات الأرضية، يبقى استخدام هذه القدرات بطيئاً مقارنة مع بقية بلدان العالم.

في هذا السياق، يضيء تقرير التنافسية الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي على بعض الإشكاليات. إن درجة الولوج إلى تقانات مجتمع المعرفة في المدارس والتعليم الأساسي يبقى ضعيفاً نسبياً، وإن درجة الانخراط في التعليم الجامعي تبقى ضعيفة، إذا ما قورنت بمثيلاتها من حيث الناتج المحلّي للفرد.

القائمون على اقتصاد المعرفة في البلدان العربية يُدركون الاحتياجات للتنمية. ففي استقصاء رأي أجرته لجنة الأمم المتحدة الاقتصادية والاجتماعية لغرب آسيا جاء موضوع نشر الحزمة العريضة للمؤسسات كأهم الأولويات لتطوير الأعمال، تتبعه أولويّة نشر هذه الحزمة العريضة للأفراد كي تتطوّر السوق الاستهلاكية للخدمات المعنيّة.

ما يعني ضرورة الانطلاق منذ الآن بنشر الألياف البصرية إلى المؤسسات والمنازل للحاق بالتطورات العالمية المتسارعة.

إلاّ أن القائمين على اقتصاد المعرفة مترددون حيال الاستفادة من هذه الشبكات لنشر التلفزيون عبر الحزمة العريضة، وما يرافق ذلك من تنمية لاقتصادٍ محلي للإنتاج والإعلان لا يُمكن له أن يتطور في ظل الانتشار الواسع للتلفزيون على السواتل الفضائية والذي لا يتوجه إلى جمهورٍ بعينه.

هنا تكمُن إحدى المعضلات الاقتصادية للدول العربية كدولٍ نامية. فما سمح بنشر الحزمة العريضة سريعاً في البلدان المتقدمة هو أن الهاتف الثابت (القديم) قد مكّن الشركات الحكومية أو الخاصّة في القرن العشرين من الإنفاق على نشر الشبكات والبنى التحتية ضمن المدن وإلى المنازل، نظراً لغلاء أسعار المكالمات حينها.

هكذا تم استهلاك الاستثمارات الضخمة اللازمة على المدى الطويل، ثم جرى تحويل الشبكات إلى الحزمة العريضة دون نفقات كبرى.

في حين شهدت الدول النامية ظهور الهاتف الخلوي وتوسعه ليحل محل الشبكات الأرضية، ثم انخفاض أسعار مكالماته بشكلٍ كبير، مما اضطر أسعار المكالمات الثابتة إلى اللحاق بها، بل إلى مواجهة منافسة خدمات نقل الصوت على الإنترنت مجاناً، من قبل شركات مثل سكايب وفايبر.

فمن أي نوعٍ من الخدمات يُمكن أن تأتي إيرادات استرجاع كلفة نشر الشبكات إلى المنازل وتوصيل الحزمة العريضة عبر الألياف الضوئيّة؟ حتماً يُمكن منذ الآن اعتبار الولوج إلى الحزمة العريضة «خدمة عامّة» ضروريّة للمواطنين، كما ماء الشرب والكهرباء.

في المجالات الأخرى لتقانات المعرفة، غالباً ما تطالب الفعاليات بتوفير مناخ تحفيزي لها، بل أحياناً حمائي من المنافسة الدولية.

وتكمُن الحجج الأساسية في أن القدرة الشرائيّة للمواطنين ما زالت ضعيفة، وأن الخدمات المصرفية وبطاقات الائتمان ليست متطورة ولا آمنة بالشكل الكافي، وأن هناك جزءا كبيرا من الاقتصاد غير نظامي ولا يهتم بتحسين إنتاجيته باستمرار، ولذا ليس مستهلكاً حقيقيّاً لتقانات المعرفة.

هذه الحجج موضوعية. إلا أنها تخفي حقيقة تركز الإنتاج في اقتصاد المعرفة العربي على الإنتاج الإعلامي والثقافي (برامج تلفزيونية، أغانٍ، إلخ) وعلى تطوير تطبيقات البرامج العالميّة على الصعيد المحلّي. ولا شكّ أن الإنتاج الإعلامي والثقافي العربي قد شهد نشاطاً ونموّاً كبيرين في السنوات الأخيرة، واستفاد من الفرصة المتاحة.

إلا أن الإعلامي منه ما زال يعتمد بشكل أساسي على التمويل الحكومي أو الشركات الكبرى. في حين يبرز التساؤل كبيراً عن عدم توصّل هذين النشاطين إلى العالميّة، على الأقل لقلب الصورة السلبية عن العرب والمسلمين بشكلٍ عامّ وأنّ رسالتهم إنسانية وللبشرية جمعاء من ضمن خصوصيتهم؟

كذلك من اللافت أن تشرذم الإنتاج الأساسي على صعيد البرمجيات وحصرها في تطوير تطبيقات البرمجيات العالمية، يشكل عائقاً أمام نهوض صناعة برمجيّات تنطلق من العالم العربي لتصل إلى أن تكون متعددة الجنسيات، كما هو الحال للنشاطات في دول كثيرة، حتى التي كانت نامية بينها كالصين.

بعض الفعاليّات في القطاع تطالب بتوطين صناعة حواسيب وإنتاج تجهيزات في العالم العربي، ولكن الفرص في هذا الأمر قليلة لأن القيمة المضافة لم تعد حقاً في التجهيزات بل في البرمجيات.

كما أن المطالبة بالحمائية في مجال البرمجيات لا تعكس سوى أن أعمال البرمجيات الموجهة للمؤسسّات ضعيفة في العالم العربي، مع أنه أكبر من سوق برمجيّات الأفراد عالمياً.

ما يعني أصلاً أن النشاطات الإنتاجية الأخرى ضعيفة في العالم العربي، أغلبها لشركات صغيرة جداً أو متوسطة، أغلبها غير نظامي، لا تبحث أصلاً عن تحسين إنتاجيتها للتوسع. وواضحٌ أنّ السوق المؤسساتية الأكبر في البلدان العربيّة هي المصارف وشركات الاتصال والحكومات. وإذا لم ينشط «اقتصاد المعرفة» أصلاً حولها بزخمٍ كبير، ليس هناك من أمل في أن ينشط قطاع البرمجيّات، إنتاجاً وتوطيناً.

منذ بداية الألفية الثالثة، جرت نقاشات طويلة ووضعت سياسات حكومية لتطوير اقتصاد المعرفة في البلدان العربية. وحتماً حدثت تطوّرات إيجابية ونما استخدام التقانات الحديثة. إلا أن هذا النمو يخفي سؤالاً جوهرياً: هل تلحق البلدان العربية بالركب العالمي، حتى الثرية منها؟ وأكثر من ذلك هل وتيرة النمو كافية لكي تستفيد من الفرصة وتتخطى منطق اللحاق بما يجري عالميّاً لتصبح رائدة في شيءٍ ما؟

 

*رئيس «منتدى الاقتصاديين العرب»، ومدير عام شركة مفهوم (A Concept)، رئيس التحرير السابق «للوموند ديبلوماتيك ـ النسخة العربيّة»