لا يخطر على بال كثيرٍ من الحكومات ولا وزراء التعليم ولا المهتمين بموضوع «التعليم عن بُعد» أنّ هذا الأمر بدأ منذ زمنٍ بعيدٍ، بل لم يكلّفوا أنفسهم عناء البحث عن بداياته الصحيحة، وهم يحسبون أنّ «التعليم عن بُعد» بدأ مع طفرة الإنترنت وإتاحتها في منتصف التسعينيات، أو كما يظنّ مؤرخو الغرب أنه بدأ في أواخر القرن الثامن عشر، ثم بدأت تشكيلته الأولى على يد أستاذ بريطاني يدعى «إسحاق بيتمان» في 1840 وما بعدها.
ونحن لا ننكر حقّ الغرب في تطويرهم «التعليم عن بُعد» حتى وصلوا به إلى الغاية في هذه الأيام، ولكننا في الوقت نفسه علينا ألا ننسى أنه كان جزءاً من منظومة التعليم في أوقات الازدهار العلمي عند المسلمين منذ أكثر من ألف سنة في ما كان يُعرف بـ«الإجازة بالمراسلة».
«التعليم عن بُعد» تنقل في مراحل كثيرة حتى وصل إلى هذه الطفرة التقنية التي نعيشها اليوم، ونُظم التعليم ليست استثناءً، إذ ظهرت حديثاً أنظمة تعليمية اتخذت من التقنية عماداً ومنهجاً ووسيلة، ففتحت آفاقاً واعدة أمام الشباب في العالم، ليصبحوا قادرين على المنافسة في سوق العمل، وأصبح التعليم متاحاً على مدار الساعة لطالبي العلم، ولكن الدول العربية مع الأسف حتى الآن أقل الدول في العالم اعترافاً بها.
لا ننكر أنّ هناك مجموعة من الانتقادات الحقيقية على «التعليم عن بُعد»، يمكننا تجاوزها وإصلاحها إذا تعاونا على ذلك، ونحن أيضاً مع مطالبتنا بزيادة الاعتراف واستخدام طلابنا خدمات التعليم الرقمية، فإنّ التعليم التقليدي سيبقى دائماً له منافع وفوائد كثيرة، لأنه يكمل حقيقة التعلّم، فالعملية التعليمية تشمل في مكوناتها صياغة الفرد فكراً وبناءه اجتماعياً.
حيث التواصل مع الزملاء والبحث المشترك والمراجعة والاطلاع على أنماط مختلفة من الأفكار وطرائق التعلّم والاحتكاك المباشر مع المحاضر الذي يقوم بترسيخ المعلومة ويجعلها حقيقة مرئية، إضافة إلى روح التنافس التي يفتقدها «التعليم عن بُعد».
*العضو المنتدب لمؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم