في كتابه «التجديد العظيم» ينقل فرانسيس بيكون، أحد أعظم أنصار العلم الحديث فصاحة، رؤية لعالم جديد، تحول عبر الاستقصاء المنهجي للظواهر الطبيعية. فمن خلال محاكاة الطبيعة وتحريفها، يصبح من الممكن كشف أسرارها ــ واستغلالها لتحسين حياة البشر. وكان هدف بيكون العملي الواقعي من استخدام فهم علمي للأسباب الطبيعية من أجل «إحداث كل شيء ممكن» ــ أو ما يسمى الآن بالإبداع ــ بمثابة الوعد الأصلي الذي بذله العلم للمجتمع.
وفي حين أن العديد من وعود العلم تحققت بالفعل ــ وخاصة التمديد الهائل لعمر الإنسان ووقت الفراغ ــ فإن وعوداً أخرى كثيرة لم تتحقق إلا جزئياً، أو لم تتحقق على الإطلاق. ورغم هذا فإن ثقة المجتمع في العلم لم تهتز. ورغم أن أهدافاً معينة تغيرت، فإن الاعتقاد السائد بأن المعرفة العلمية تحول حياة البشر ــ مع تلاقي العوامل الثقافية والتعليمية والمؤسسية مع الديناميكيات التكنولوجية والصناعية ــ ظل قوياً.
واليوم أصبح علم الجينات (الوراثة) المصدر الرئيسي للوعد العلمي. فمنذ كشف جيمس د. واطسون وفرانسيس كريك بنية الحمض النووي في عام 1953، تم تحديد كمية هائلة من البيانات الجينية المتاحة، ونشأت أشكال جديدة من التنظيم العلمي وأساليب العمل.
على سبيل المثال، سوف تؤدي هذه الثورة بلا أدنى شك إلى هندسة الحياة من خلال البيولوجيا التركيبية. وعلى نحو مماثل، ساهم علم «التَخَلّق» (دراسة التغيرات الموروثة في وظيفة الجينات والتي تحدث دون تغيير في تسلسل الحمض النووي) في إعادة تشكيل المناقشة القديمة التي تضع «الطبيعة في مواجهة الطبيعة»، من خلال تسليط الضوء على الطابع المتعدد الأبعاد للعلاقة بين التنمية البيولوجية والتنمية الاجتماعية.
ثم ساعد الفهم المتزايد للتعديلات التخلقية المتوالية عبر الأجيال، سواء كانت مرتبطة بالتغذية أو الجهاز العصبي، في فتح أكثر من منظور جديد على لدونة النمط الظاهري (الخصائص التي يمكن ملاحظتها للكائن الحي)، والعوامل التي قد تؤثر عليه. ونتيجة لهذا فقد بات من الواضح الآن أن أساليب حياة الناس لا تخصهم هم أنفسهم فقط.
* رئيسة المجلس الأوروبي للبحوث، والمؤلفة المشاركة، مع جوزيبي تيستا، لكتاب «جينات عارية: إعادة اختراع الإنسان في العصر الجزيئي».
