لم يكن الإعلان عن حرب باردة جديدة في أعقاب ضم روسيا لشبه جزيرة القرم أكثر من إنذار كاذب وغير ناضج. ولكنه رغم ذلك يعكس جَزَع صناع القرار اليوم في مواجهة نظام عالمي يوشك على الانهيار.
وفي ظل بُعد الاقتصادات الناشئة عن الالتزام بالقواعد والمعايير الراسخة المعمول بها في العلاقات الدولية، تشعر العديد من الحكومات والشركات المتعددة الجنسيات بالضعف بسبب اضطرارها إلى الاعتماد على غيرها للحصول على الموارد الحيوية ــ اعتماد الاتحاد الأوروبي على الغاز الروسي على سبيل المثال.
الواقع أن التنافس على الموارد النادرة يشكل اختباراً قاسياً لافتراضاتنا حول الحوكمة العالمية والتعاون العالمي في وقت حيث أصبحت الزعامة الجماعية أشد ضرورة من أي وقت مضى.
ولكن حتى في غياب الأطر القانونية العالمية الشاملة، يصبح من الممكن الحفاظ على حِس أمني مشترك إذا تأسست شروط الاستثمار في الموارد على فهم سياسي طويل الأجل وعلاقات تجارية راسخة وليس على المنافسة القصيرة الأجل.
الحق أن المخاطر كبيرة. إذ ترتبط ندرة الموارد ارتباطاً وثيقاً بالمخاطر السياسية. وتشكل القضية القابلة للانفجار بشأن الموارد المائية في دلتا نهر النيل إحدى الحالات الاختبارية لمثل هذا التعاون.
منذ عام 1929، أعطت معاهدة من الحقبة الاستعمارية البريطانية مصر حق الاعتراض على أي مشروع يقام على منابع النهر والذي قد يؤثر على إمدادات البلاد من المياه. والآن صَدَّقت العديد من دول حوض النيل، بما في ذلك السودان واثيوبيا، على اتفاق إطاري تعاوني لحوض نهر النيل، لم توقع عليه مصر بعد.
وفي ظل الأجواء السياسية المحمومة في مصر فإن رئيسها المنتخب حديثاً، عبد الفتاح السيسي، قد يستسلم لإغراء تصعيد التهديد بالقيام بعمل عسكري رداً على مشاريع الطاقة الكهرومائية في اثيوبيا. فمثل هذا التحرك من شأنه أن يحدث موجات صدمة في مختلف أنحاء المنطقة التي تعاني بالفعل من الصراع في جنوب السودان وسوريا والعراق ولبنان.
ولتجنب سلسلة أخرى من ردود الفعل السياسية والبيئية الخطيرة، فإن الإيعاز إلى جميع الأطراف بالتحرك نحو التوصل إلى اتفاق سوف يتطلب الاعتراف المتبادل بالمخاوف بشأن الموارد. فلابد أن تضمن اثيوبيا بمصداقية استمرار المدد من المياه إلى المصب، على سبيل المثال، من خلال تأسيس معدل لتجديد المياه في خزانات سدودها لا يهدد تدفق المياه إلى مصر.
سوف تتعرض الشركات المتعددة الجنسيات والدول ذات السيادة مثل الصين، والتي مولت مشاريع الطاقة الكهرومائية عند منابع النهر، لضغوط متزايدة حتى تتخذ موقفاً واضحاً من هذا الأمر. وهي أيضاً قادرة على الاضطلاع بدور إيجابي من خلال النظر في إقامة استثمارات عبر الحدود تهدف إلى معالجة بعض التبعيات المتبادلة، مثل ممارسات الري الزراعي المسرفة في مصر.
في أماكن أخرى من العالم، تظهر على السطح توترات أخرى مرتبطة بالموارد. فيهدد الإجهاد المائي والأمن الغذائي بتقييد الوعد الاقتصادي في الهند، مع تسبب محطات توليد الطاقة الكهربائية العاملة بإحراق الفحم في تحويل موارد المياه على نحو متزايد بعيداً عن الزراعة.
كما تتصاعد المخاطر السياسية المحيطة بالاستثمار في القطاع الزراعي في نيجيريا نتيجة للانفجار الديموغرافي (السكاني) وارتفاع معدلات التضخم، وضعف سيادة القانون.
الواقع أننا نعلم ما ينبغي لنا أن نقوم به، والسبب وراء أهميته، ومن يتعين عليه أن يشارك لتأمين مستقبل كوكبنا في الأمد البعيد. ومن الواجب علينا الآن أن نعالج قضية لا تقل أهمية، والتي تتمثل في الكيفية التي يمكننا بها تحقيق هذه الغاية.
أليخاندرو ليتوفسكي مؤسس مبادرة أمن الأرض ورئيسها التنفيذي
