في بحثها عن سبل لتحفيز النمو الاقتصادي وخلق فرص العمل، تسعى إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى المضي قدماً في اتفاقية التجارة الحرة الإقليمية الضخمة المعروفة باسم «الشراكة عبر المحيط الهادئ». ولكن هل تتعامل الولايات المتحدة مع هذه المسألة على النحو الصحيح؟
كان النطاق الأولي للشراكة عبر المحيط الهادئ متواضعاً نسبيا، فكان يضم الولايات المتحدة ومجموعة من الشركاء التجاريين (أستراليا، وبروناي دار السلام، وكندا، وشيلي، وماليزيا، والمكسيك، ونيوزيلندا، وبيرو، وسنغافورة، وفيتنام). ولكن الآن لحقت اليابان بالمجموعة، وتراقب كوريا الجنوبية الأمر عن كثب، وهناك إمكانية لإشراك الصين من خلال هذا الإطار أو غيره من الأطر في المستقبل المنظور.
ويتلخص النهج النموذجي في السعي إلى وضع اللمسات النهائية على اتفاق يهدف إلى خفض الحواجز التجارية - وفي الوقت نفسه محاولة حماية معايير العمل والبيئة - في عدم المبالغة في ما تطلبه من أولئك على الجانب المقابل من طاولة التفاوض..
وليس العكس. ولكن عند هذه المرحلة، يختلف اتفاق الشراكة عبر المحيط الهادئ: ذلك أن احتمالات النجاح تصبح أعظم كثيراً إذا ألحقت الولايات المتحدة بالاتفاق الشرط الإضافي المتمثل في امتناع البلدان المشارِكة عن التورط في التلاعب بالعُملة.
عادة، يفرض الفائض الكبير ضغوطاً تدفع عملة البلاد إلى الارتفاع، الأمر الذي يجعل صادراتها أقل قدرة على المنافسة ويعزز الطلب على السلع والخدمات المستوردة. ولكن السلطات في أي بلد قادرة على منع ارتفاع قيمة عملتها لفترة طويلة عن طريق شراء كميات كبيرة من العملات الأجنبية.
ويسفر هذا التدخل عن تراكم احتياطيات النقد الأجنبي، التي يكون قسم كبير منها في هيئة ديون مستحقة على حكومة الولايات المتحدة. ومن ناحية، يعود هذا بالفائدة على الولايات المتحدة من خلال المساعدة في الإبقاء على أسعار الفائدة أقل مما كانت لتصح عليه لولا ذلك. ولكن التلاعب بالعملة يُعَد أيضاً وسيلة غير عادلة لاكتساب ميزة تجارية، مع كل ما يترتب على ذلك من تأثيرات سلبية مفرطة على الشركاء التجاريين.
كان أحد أسباب تأسيس صندوق النقد الدولي منع هذا النمط على وجه التحديد من الاستراتيجية الاقتصادية القائمة على إفقار الجار، والتي أفضت إلى «التنافس على خفض قيمة العملات» خلال ثلاثينيات القرن العشرين. ومن المؤسف أن صندوق النقد الدولي أثبت في السنوات الأخيرة عدم قدرته أو عدم رغبته في القيام بهذه المهمة.
وعلى نحو مماثل، كانت وزارة الخزانة الأميركية ملزمة إلى حد كبير بتحديد ما إذا كانت دولة ما تتدخل بدرجة غير عادلة وغير معقولة. ولكن في الممارسة الفعلية، جاءت تقارير الخزانة الأميركية بشأن هذه القضية بلا أنياب في عموم الأمر ولم تسفر عن أي عواقب حقيقية.
وقد اقترح فريد بيرجستين وجوزيف جانيون، وهما من زملائي في معهد بيترسون، إدراج فقرة شرطية بشأن العملة في أي اتفاق تابع للشراكة عبر المحيط الهادئ. وفي الأساس، قد يرقى هذا إلى اتفاق الموقعين على عدم التلاعب بعملاتهم. وقد تأتي هذه الفقرة بأسنان أقوى أو أضعف، ولكن الأمر المهم هو أن تفضي إلى تحول المعايير والتوقعات.
ويؤيد بعض المسؤولين الأميركيين هذا النهج في العامل مع الشراكة عبر المحيط الهادئ؛ في حين يقاومه آخرون. ولكن يتعين على المتشككين أن يفكروا ملياً في الديناميكيات المحتملة في الكونجرس الأميركي عندما تُطرَح الشراكة عبر المحيط الهادئ للتصويت.
* أستاذ في مدرسة سلون للإدارة بمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا والمؤلف المشارك لكتاب «البيت الأبيض يحترق»
التلاعب بالعملة يُعَد أيضاً وسيلة غير عادلة لاكتساب ميزات تجارية
