في الآونة الأخيرة، اتخذت المناقشة العالمية بشأن النمو في العالم النامي منعطفاً حاداً. فقد تبخرت الإثارة والدعاية الصاخبة التي انتشرت في السنوات الأخيرة حول إمكانية اللحاق السريع بالاقتصادات المتقدمة. وقد بدأ إدراك جديد ينتشر ببطء: وهو أن البلدان النامية تحتاج إلى نموذج نمو جديد. ولكن التصنيع اليوم لم يعد كما كان من قبل. فقد أصبح أكثر اعتماداً على رأس المال والمهارات، مع تضاؤل إمكانية امتصاص أعداد كبيرة من الأيدي العاملة من المناطق الريفية إلى حد كبير.

ولكن هل تستطيع صناعات الخدمات أن تلعب الدور الذي لعبه التصنيع في الماضي؟ إن الخدمات تسهم بالفعل بالقسم الأعظم من الناتج المحلي الإجمالي في البلدان النامية، حتى في البلدان ذات الدخل المنخفض، حيث لعبت الزراعة تقليدياً دوراً كبيراً.

والواقع أن العمال الشباب الذين يتركون المزارع إلى المدن تستوعبهم على نحو متزايد في المناطق الحضرية وظائف الخدمات وليس وظائف التصنيع. هناك أمران يجعلان الخدمات مختلفة عن التصنيع.

فأولاً، برغم أن بعض قطاعات الخدمات قابلة للتداول وتكتسب المزيد من الأهمية في التجارة العالمية. فالعمل المصرفي، والتمويل، والتأمين، وغير ذلك من خدمات الأعمال، جنباً إلى جنب مع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، كلها أنشطة عالية الإنتاجية وتدفع أجوراً عالية. وقد تعمل كأسباب للتعجيل بالنمو في الاقتصادات حيث قوة العمل مدربة بالقدر الكافي. ولكن الاقتصادات النامية لديها في الغالب قوى عاملة منخفضة المهارة. وفي مثل هذه الاقتصادات، لا تتمكن الخدمات القابلة للتداول من استيعاب أكثر من قسم ضئيل من اليد العاملة.

ولهذا السبب، فإن قطاع تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الهند لم يكن رغم كل نجاحاته محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي. وعلى النقيض من هذا، من الممكن أن يوفر التصنيع التقليدي عدداً كبيراً من الوظائف للعاملين القادمين من المزارع مباشرة، وبمستويات إنتاجية أكبر من مثيلاتها في الزراعة بثلاثة إلى أربعة أمثال.

 

* أستاذ العلوم الاجتماعية في معهد الدراسات المتقدمة في برينستون بولاية نيوجيرسي