أغلب خبراء الاقتصاد لديهم سبب للقلق بشأن اقتصاد الصين ــ سواء كان ذلك السبب انخفاض الاستهلاك والفوائض الخارجية الكبيرة، أو القدرة الصناعية الفائضة، أو التدهور البيئي، أو التدخلات الحكومية مثل ضوابط رأس المال أو القمع المالي. غير أن الحقيقة التي فشل كثيرون في إدراكها هي أن هذه مجرد أعراض لمشكلة واحدة أساسية: نموذج النمو المنحرف الذي تتبناه الصين.
الواقع أن هذا النموذج يتألف من بناء مستحدث سياسياً إلى حد ما، وهو نتيجة لانحياز عميق الجذور لمشاريع البناء والتصنيع باعتبارها محركات رئيسية للتنمية الاقتصادية. ويرجع هذا الميل إلى القفزة الكبرى إلى الأمام في خمسينيات القرن العشرين، عندما كانت الخردة المعدنية تُـصهَر لتلبية أهداف إنتاج الصلب التي كانت متفائلة إلى حد كبير، وبالتالي تعزيز حلم ماو تسي تونغ بالتحول السريع إلى التصنيع.
واليوم، يتجلى ميل الصين إلى الإنتاج الصناعي في مشاريع الصناعات التحويلية والبنية الأساسية الواسعة النطاق، بتشجيع من إعانات الدعم الحكومية المباشرة وغير المباشرة. ومن خلال تعزيز الاستثمار وتوليد العائدات الضريبية للحكومات المحلية، يخلف هذا النهج تأثيراً إيجابياً أكثر مباشرة على الناتج المحلي الإجمالي مقارنة بالجهود الرامية إلى تطوير قطاع الخدمات.
ولكن هذا النموذج ينطوي أيضاً على تكاليف كبيرة. فقد أصبحت الصين الآن حبيسة دائرة اقتصادية مفرغة تدعمها سياسات تشويهية غير مترابطة ظاهريا، ولكنها في واقع الأمر شديدة الترابط، بل وحتى تكافلية.
وهذه الظاهرة أيضاً من الممكن أن تُعزى إلى حد كبير إلى السياسات التشويهية. ففي محاولة للحد من الارتفاع في تكاليف العمل، قمعت الحكومة الأجور، فلم يتجاوز نموها 5% سنوياً على مدى الأعوام العشرين الماضية، حتى مع نمو الإنتاجية بمعدل سنوي بلغ 8.5%. ومن ناحية أخرى، تسبب القمع المالي في خفض تكاليف رأس المال. ففي العقد الماضي، كان متوسط العائد الحقيقي (المعدل تبعاً للتضخم) على الودائع قريباً من الصفر. ومع إيداع نحو 80% من مدخرات الأسر الصينية في البنوك، فإن هذه الضريبة المستترة على المدخرات كان لها تأثير اقتصادي كبير، حيث عززت ميل الأسر الصينية إلى الادخار وبالتالي قوضت نمو الاستهلاك وأدت إلى تفاقم اختلالات التوازن العالمية.
وبهذه الطريقة، ساعدت السياسات التشويهية التي انتهجتها الصين في إدامة نموذج النمو المختل. فقد عمل قمع الأجور، والقمع المالي، وسعر الصرف المقوم بأقل من قيمته على دعم الصادرات والإنتاج، ولكن على حساب الأسر التي أصبحت بالتالي مرغمة على الادخار، الأمر الذي أدى إلى إضعاف الطلب المحلي. ومن أجل تحقيق أهداف النمو، تضطر الحكومة بالتالي إلى الاعتماد على الصادرات والاستثمار - وهو النهج الذي يؤدي إلى تراكم احتياطيات هائلة، يتوجب تعقيمها بالتالي. وتساعد أسعار الفائدة المنخفضة في احتواء تكاليف التعقيم على المستوى الوطني وخفض التكاليف على مستوى الشركات - ومرة أخرى على حساب الأسر.
لن يكون كسر هذه الحلقة المفرغة سهلا، ولكن لا يوجد سبيل آخر لمعالجة العديد من المشاكل الأكثر إلحاحاً التي تواجه الاقتصاد الصيني. والواقع أن نموذج النمو الحالي يشكل عبئاً ثقيلاً أيضاً على البيئة، حيث يهدد التلوث صحة السكان، وخاصة في المناطق الحضرية.
وعلاوة على ذلك، يؤدي هذا الانحياز للتصنيع والتصدير إلى سوء توزيع شديد لرأس المال. فقد تراكم لدى القطاعات الصناعية الأقل كفاءة فائض كبير في القدرة، وهو ما من شأنه أن يزعزع استقرار الاقتصاد بالكامل، في حين تفتقر قطاعات أكثر إنتاجية وكفاءة إلى القدرة على الوصول إلى الموارد التي تحتاج إليها.
* مُـحاضِر علوم الاقتصاد في كلية لندن للاقتصاد
