لو لم يكن في الأمر مثل هذا القدر من الإهانة لحرية التعبير، فلعلنا كنا لنتسلى بنوبة الغضب التي أصابت رئيس فنزويلا نيكولاس مادورو أخيراً بسبب تعليق نشره الخبيران الاقتصاديان ريكاردو هوسمان وميجيل أنخيل سانتوس. كانت فنزويلا حريصة لفترة طويلة على انتقاد صندوق النقد الدولي لأنه تجرأ على الإشارة إلى أن سياسات الاقتصاد الكلي التي تنتهجها ربما لا تعمل على ما يرام. والآن يشن رئيسها حملة شديدة ضد الأكاديميين.
بطبيعة الحال، يتحكم مادورو في واحد من أكبر اقتصادات النفط، والذي يدار بشكل بالغ السوء حتى أن نصيب الفرد الحقيقي «المعدل وفقاً للتضخم» في الناتج المحلي الإجمالي اليوم بات أقل بنسبة 2% عما كان عليه في سبعينات القرن العشرين، برغم زيادة بلغت عشرة أضعاف في أسعار النفط.
وقد بلغت الجرأة بهوسمان وسانتوس حد التساؤل حول ما إذا كان من الواجب على فنزويلا التي تخلفت عن سداد أي شكل يمكن تصوره من أشكال الدين الداخلي أن تدعو المستثمرين الأجانب إلى الحفل فتتخلف عن سداد ديونها إليهم أيضاً. تُرى هل كان ذلك التساؤل غير متعقل؟
من غير الواضح ما إذا كان مادورو، الذي دعا السلطات في فنزويلا إلى اتخاذ «إجراءات» غير محددة ضد هوسمان وسانتوس «وكلاهما من مواطني فنزويلا»، قد شعر بالإهانة إزاء الاقتراح بأن حكومته لابد أن تتخلف عن سداد ديونها الخارجية، أم بسبب القائمة التي أوردها المؤلفان بكل الطرق الأخرى التي تخلفت بها فنزويلا عن سداد ديونها بالفعل.
وتضم هذه القائمة تخلف الحكومة عن سداد فاتورة واردات الأدوية والتي بلغت قيمتها 3.5 مليارات دولار، ومتأخرات الغذاء التي تجاوزت 2 مليار دولار، وما يقرب من 4 مليارات دولار مستحقة لشركات الطيران. وقد انخفض إنتاج النفط إلى أكثر من النصف منذ عام 1997، ويرجع هذا إلى حد كبير إلى تخلف شركة النفط المملوكة للدولة عن سداد مستحقات الموردين وشركائها في المشاريع المشتركة.
الواقع أن نطاق وحجم التخلف عن سداد الديون الداخلية هائل، ولا يخلو من «تقليم» بحكم الأمر الواقع لمستحقات الدائنين «من خلال نزع الملكية والمصادرة». في الفترة من 2013 إلى 2014 كانت العوائد على السندات الحكومية المحلية نحو 17%..
في حين تراوح التضخم بين 55% إلى 75%. وكانت أسعار الفائدة الحقيقية السلبية بأثر رجعي عند مستوى 30% إلى 60% عند أعلى نقطة تاريخية لتقليم مستحقات الدائنين الأصلية. ولا تقتصر حصيلة هذه «الضريبة» على حاملي السندات: فقد تأثر كل من أصحاب المعاشات والمودعين وكل من لديه مطالبات ضد الحكومة، أو كل من يحتفظ بعملة البوليفار.
لذا، فكما تساءل هوسمان وسانتوس، هل ينبغي لحكومة فنزويلا أن تتخلف عن سداد ديونها الخارجية، علماً بأن السجل التاريخي يثبت أن ما يقرب من كل حالات العجز عن سداد الديون الداخلية تأتي مصحوبة بالتخلف عن سداد الديون الخارجية؟
الواقع أنه في ضوء تخلف الحكومة بطرق عديدة عن سداد ديونها الداخلية بالفعل، فإن الاحتمال التاريخي للتخلف عن سداد الديون الخارجية يقترب من واحد صحيح. وبعيداً عن الاعتبارات الأخلاقية المهمة وتلك المرتبطة بالعدالة والإنصاف، فإن هذا الاحتمال يسلط الضوء على السبب الذي جعل هوسمان وسانتوس يطرحان مثل هذا التساؤل الواضح.
في كتابنا «هذه المرة مختلفة»، نوثق كيف ترتبط حالات التخلف عن سداد الديون الداخلية بموجات ركود أعمق وأطول ومعدلات تضخم أعلى كثيراً وليس مجرد التخلف «المحض» عن سداد الديون الخارجية.
ورغم أننا ننتقل بعد ذلك إلى ملاحظة مفادها أن العديد من حالات التخلف عن سداد ديون خارجية كانت تاريخياً من دون تخلف عن سداد ديون داخلية، فإن العكس ليس صحيحاً: ذلك أن ما يقرب من كل حالات التخلف عن سداد الديون الداخلية هي حالات «تخلف مزدوج» تتضمن أيضاً دائنين خارجيين. تُرى هل تكون حالة فنزويلا مختلفة؟
كان هوسمان وسانتوس على حق عندما افترضا أن التخلف عن سداد الديون الداخلية بهذا الحجم الضخم يشير إلى ارتفاع خطر التخلف عن سداد الديون الخارجية. ولعلهما على حق أيضاً في افتراضهما أن التخلف عن سداد الديون الخارجية سوف يكون أمراً جيداً بالنسبة لأغلب الفنزويليين.
إن التخلف عن سداد مستحقات الدائنين الخارجيين، كما لاحظنا في الماضي، استراتيجية محفوفة بالمخاطر ولا بد من مقارنتها أولاً بخيارات أخرى. ولكن دعونا لا نتظاهر بأن مثل هذه الخطوة غير مسبوقة في تاريخ فنزويلا.
وكما أشار هوسمان وسانتوس فإن «هذا هو السبب الذي يجعل سندات فنزويلا تدفع أكثر من 11 نقطة مئوية أكثر من سندات خزانة الولايات المتحدة، وهو ما يزيد بنحو 12 ضعفاً عن ما تدفعه المكسيك، وأربعة أضعاف ما تدفعه نيجيريا، وضعف ما تدفعه بوليفيا». والهجوم على الباحثين بسبب إقدامهما على الطعن في موقف بوليفيا الائتماني في عام 2014 يبدو بعيداً بعض الشيء عن حقائق الماضي وواقع الحاضر.
* كارمن راينهارت باحثة وأستاذة النظام المالي الدولي في جامعة هارفارد
* كينيث روجوف كبير خبراء الاقتصاد لدى صندوق النقد الدولي سابقاً، وأستاذ الاقتصاد والسياسة العامة في جامعة هارفارد

