كبر الصغار واستقوى الضعفاء

ت + ت - الحجم الطبيعي

عرفت أوروبا الرفاهية عندما حكمت العالم، يوم خرجت أساطيلها البحرية المجهّزة بالمدفعيّة التي لا يملكها غيرها، واستعمرت العالم كله تقريباً، بدولها الكبيرة والصغيرة، هولندا كانت تستعمر أجزاء بعيدة جداً عن أراضيها، في آسيا، بل أقصى شرق آسيا، والبرتغال احتلت دولاً أكبر منها مساحة وأكثر سكاناً، وبلجيكا كانت في وسط أفريقيا، وإيطاليا أخذت ليبيا وأثيوبيا وبعض مناطق الصومال، أما بريطانيا العظمى وفرنسا فقد حصلتا على النصيب الأكبر من «كعكة» العالم الفقير والجاهل في القرون الثلاثة الماضية، وانتقت الأراضي الزاخرة بالثروات أو تلك التي تقع على خطوط التواصل والربط بالمناطق الأخرى.

ولأن الأوروبيين يعيشون فترة الثورة الصناعية الكبرى في ذلك الوقت كانوا بحاجة إلى الخامات التي تشغّل مصانعهم، وبلادهم فقيرة في هذا الجانب، بينما الدول المستعمرة تملك كل مقومات تلك الصناعة، لديها أراض بكر زاخرة بالمعادن، يضاف إليها الذهب والأحجار الكريمة والنفط، وحفروا العالم، بالمعاول في يد والأسلحة في اليد الأخرى، ونهبت أرض الفقراء، وأصبحوا هم الأغنياء.

فعمّروا بلادهم واستثمروا الفائض لديهم، وتحوّلت مدنهم إلى «عجائب الدنيا»، وأسسوا شركات ظاهرها التجارة وباطنها استنزاف الضعفاء، ولم يصرفوا شيئاً على الذين يسرقون ثرواتهم، تركوهم متخلّفين حتى لا يطالبوا بحقوقهم، ومن اعترض أو قاوم وجودهم شُنَّت عليه الحروب، وكم من البلدان دُمِّرت واستُعبدت شعوبها!

كبر الصغار، وقويت شوكة الضعفاء، وما عادت أوروبا تملك توجيه الآخرين، فهي اليوم أسيرة حاجتها إلى من يملكون الخامات التي تشغّل مصانعهم، وتنير طرقاتهم ومنازلهم، وتحرّك اقتصادهم، وتدفئ بيوتهم، ولأنهم لا يملكون القدرة على الغزو والاحتلال، يلوِّحون بوسائل جديدة لإرهاب الآخرين، ويتناسون حاجتهم، وقد ذاقوا بعضاً من جزاء اندفاعهم خلف ذكريات ماضيهم، وسيتذوّقون أكثر من ذلك إذا تمادوا في الجري خلف غيرهم ولم يفيقوا من غفلتهم!!

طباعة Email