هي الحكمة

ت + ت - الحجم الطبيعي

الحياة تمر بمنعطفات، طريقها ليس مستوياً، تتبدل أشياء، وتتغير أحوال، وتصعد مؤشرات، وتهبط معنويات، ولا تستمر على المنوال نفسه، فكل شيء له ضد، الفرح ضده الحزن، والنجاح ضده الفشل، والثراء ضده الفقر، والابتسامة قد تتبعها «تكشيرة»، والرخاء يأتي بعد العوز وقد يأتي قبله.

ظروف الحياة غير مستقرة، لا يمكن تثبيتها في اتجاه واحد، حتى لو اجتمع الإنس والجن، تقلبات الدهر كما سميت قديماً واقعة لا محالة، والحكيم، القنوع، العارف بمتطلبات الأزمنة المتوالية التي تبدل الحال إلى حال آخر، ذلك هو الذي يفوز، لأنه فكر ودبرْ، وعلى الله توكل، لم يبالغ في الغرف من النعمة التي عاش فيها، ولم يبخل أو يقصر على نفسه وعلى من يعيل، وحفظ «القرش الأبيض لليوم الأسود»، يتعلم من تعاليم دينه، ويأخذ من قصص الأولين، ولا يتردد أن يتعظ من الذي يراه يحدث للآخرين، وعلى رأس كل القصص والحكايات تلك التي تصلح لكل الأزمان، وتتجاوز كل الظروف، قصة سيدنا يوسف عليه السلام والسنوات السبع السمان التي تليها سبع عجاف، ولأنه حامل مفاتيح الخزائن ومعها الأمانة الربانية، حصد من الزرع حاجة القوم، وترك الفائض في السنابل حتى جاء ميعادها، عندما ضاقت الدنيا وانتشر القحط وعم الجوع، كان محصول تلك السنوات السمان وخيرها الفائض هدية النبي وحكمته في السنوات السبع العجاف، وكأن شيئاً لم يحدث، كأن السماء أمطرت والأرض ارتوت، والمحاصيل نبتت.

وفي زماننا هذا تحدث تقلبات، ونعبر منعطفات ونردم فجوات، لأننا حظينا بحكماء ونبلاء مدوا النظر إلى بعيد، فتجاوزنا كل الأزمات، وكأن شيئاً لم يحدث، الفائض في السنوات الزاخرة بالخيرات، أصبح سنداً قوياً نحافظ به على الطارئ من الأمور، وكنا الأقل تأثراً وسط زخم الظروف المعاكسة، من أزمات سياسية إلى حروب تدور حولنا، إلى انهيارات اقتصادية، إلى غلاء معيشة.

رحم الله من وضعوا القواعد وبنوا الأساسات الصلبة وطيّب ثراهم، وحفظ لنا سبحانه من هم على الدرب سائرون.

طباعة Email